ليس من المبالغة في شيء القول بأنه في الوقت الذي احتفل فيه العرب والمسلمون على امتداد المعمورة بذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، شهدت بعض الدول والشعوب العربية أياما صعبة، بل وشديدة الألم من المواجهات، وأعمال القتل وإرهاق الدماء وآلاف المصابين والجرحى من أبنائها في المصادمات التي تشهدها بين قوات الأمن والجيش فيها، وبين المتظاهرين والمحتجين الذين تتعدد وتتنوع مطالبهم ودوافعهم ايضا، والتي لا تنفصل في النهاية عما شهدته وتشهده تلك الدول بوجه خاص، والمنطقة بوجه عام من فوران سياسي وتحركات متعددة الأهداف وفي اتجاهات عدة وغامضة أحيانا أيضا، وعلى نحو لم يعد ملائما ولا ممكنا أيضا الحديث عما اصطلح عليه في الأشهر الماضية من «ربيع عربي».
وبغض النظر عن معنى الكلمات ودلالة المصطلحات، فإن الأمر الأكثر أهمية في الواقع يتمثل في الحاجة الملحة، والتي ينبغي تحقيقها الآن قبل الساعة القادمة، ونعني بها وقف أعمال العنف والمواجهات، والخسائر المستمرة في أرواح الشباب، والنزيف المخيف لدمائهم في أكثر من دولة عربية شقيقة، وبشكل متصاعد على مدى الأيام الأخيرة.
ومع إدراك حقيقة أن ما يجري في الدول الأخرى، الشقيقة والصديقة، هو في النهاية يدخل ضمن اختصاصها الداخلي على الأقل في بعده القانوني الدولي، إلا أنه من غير الممكن لأحد ان يوقف، أو أن يمنع التفاعل والتأثر العربي والاسلامي والدولي، بما تشهده الدول والشعوب الشقيقة والصديقة، في المنطقة وعلى امتداد العالم أيضا، من احداث وتطورات تدمي القلوب وتثير التعاطف مع تطلعاتها إلى حياة أفضل لابنائها. ومن هنا فإنه ليس من المصادفة في شيء أن الثورة الهائلة في وسائل الاعلام والاتصال أسهمت، هي الأخرى، إلى حد كبير في جعل الأحداث ذات تأثير أوسع بكثير من مجرد محيطها الذي تقع فيه من ناحية، كما أن التطور الذي حدث في قواعد القانون الدولي الانساني، قلص في الواقع من مساحة الاختصاص الداخلي للدولة عما كان عليه الأمر قبل عقود من ناحية ثانية. ومن هنا تحديدا فإن صفحة الاحداث والتطورات في العالم باتساعة أصبحت مفتوحة أكثر من أي وقت مضى بكل ما يترتب على ذلك من نتائج، مباشرة وغير مباشرة.
على أية حال فإنه مع الوضع في الاعتبار الجهود الطيبة والصادقة التي تبذل من جانب أطراف عدة داخلية وإقليمية وغيرها من أجل الاسراع بوضع حد لأعمال المواجهات والمصادمات، سواء في سوريا، أو في مصر، أو في السودان، وليبيا، واليمن، والعراق وغيرها من الأراضي العربية، فإنه من المؤكد أن الحاضر والمستقبل العربي يحتاج إلى جهود كل أبنائنا الشباب، وعطاءاتهم في كل المجالات لتنمية وتطويرالحياة العربية، ومن ثم فإن أية خسارة لهم في الأرواح او الدماء، في أي بلد عربي تؤثر سلبا على الحاضر والمستقبل العربي، فهل يمكن أن يتوقف هذا النزيف المخيف لأرواح ودماء وطاقات الحاضر والمستقبل ؟