إن تفاصيل عملية اغتيال المبحوح تشبه إلى حد كبير سيناريو فيلم من أفلام الإثارة، لكن من غير المرجح أن تكون النهاية مشابهة لنهايات أفلام هوليود
لا شك أن القتل أمر خطير، لكنه وفي خضم قصص جوازات السفر المزورة، ناهيك عن حقيقة أن المشتبه بهم كانوا يرتدون الشعر المستعار والنظارات والملابس الرياضية للتخفي، فهناك لمسات من فيلم إثارة من هوليود فيما يتعلق بعملية اغتيال أحد قادة الجناح العسكري لحركة حماس محمود المبحوح في دبي في 20 من يناير الماضي.
وقد بدأت أصابع الاتهام تشير بالفعل إلى المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وهناك أسباب عديدة لذلك. فلدى إسرائيل دافع واضح لاغتيال المبحوح (لأنه كان أحد كبار شخصيات حركة المقاومة الفلسطينية حماس، ومطلوبا لدى إسرائيل، لكنه كان يصعب الوصول إليه لأنه يعيش في سوريا) بالإضافة إلى أسلوب الاغتيال (العديد من الاغتيالات المشابهة نفذتها إسرائيل في مختلف الدول، فضلا عن اعتقال مردخاي فانونو).
كما كان المبحوح ضالعا في تجارة الأسلحة - وهذا عالم مظلم حيث يمكن أن يكون للصفقات التي تسير على نحو خاطئ العديد من العواقب الفتاكة - وربما يكون المبحوح مطلوبا من حكومات أخرى.
باختصار شديد يمكن القول إن هناك أشياء كثيرة لا نعرفها حول عملية الاغتيال، وبالتالي، من غير الحكمة بمكان القفز إلى النتائج.
أدلى كثيرون من العملاء الإسرائيليين السابقين بدلوهم حول عملية الاغتيال في وسائل الإعلام مؤخرا. هناك العديد من الآراء التي تقول باحتمال تورط الموساد في العملية وهناك آراء أخرى تنفي ذلك. أشار أحدهم إلى أن القتلة تركوا الكثير من القرائن ربما بسبب الإهمال، وبالتالي، فإن هذه العملية لا تبدو إسرائيلية. ووصفها آخر بأنها في غاية الإحترافية وأن الموساد هي الجهة المنطقية وراء عملية الاغتيال.
وعلى الرغم من أن كل المنتقدين اعتبروا ان عملية القتل تعد «مكسبا في مسلسل إنجازات جهاز الموساد في السنوات الأخيرة»، فإنهم انتقدوا عددا من سلوكيات وحدة التصفية التي نفذت الاغتيال في عدة اتجاهات، منها:
أولا: أن منفذي العملية أخذوا الحذر من احتمال وجود آلات تصوير في الفندق الذي نفذ فيه الاغتيال، لكنهم لم يأخذوا الحذر من احتمال وجود آلات تصوير أخرى في شوارع وأحياء دبي على طريقة لندن.
وأن آلات التصوير هذه وثقت كل تحركاتهم منذ نزولهم إلى أرض مطار دبي يوم 19 يناير وحتى مغادرتهم، وأن المحققين في شرطة دبي استطاعوا في غضون وقت قصير جدا تحليل الصور وتركيب فيلم يبين كل تحركاتهم. ومع أن المنفذين تمكنوا من مغادرة دبي بسلام، إلا أنهم تركوا وراءهم علامات كثيرة.
ثانيا: استخدم منفذو العملية جوازات سفر لدول صديقة، اثني عشر جواز سفر بريطانيا وثلاثة أيرلندية وألمانيًا وفرنسيًا، وفي جميعها تم استغلال المعلومات عن أصحاب الجوازات كما دونت لدى شرطة الحدود وتم تزييفها. مثل هذا التصرف يمس بالعلاقات مع هذه الدول. وقالوا إنه على الرغم من أن هناك تعاطفا أوروبيا مع إسرائيل ضد حماس ونشاطها، فإن هناك حساسية شديدة في بريطانيا إزاء مثل هذه التصرفات. وقد سبق وغضب البريطانيون من استخدام أراضيهم ساحة لعمليات الموساد.
ثالثا: تبين أن غالبية الأسماء التي استخدمها منفذو العملية هي أسماء حقيقية لمواطنين إسرائيليين يحملون جوازات سفر مزدوجة.
وقد صدم بعضهم من استخدام أسمائهم وراح يساورهم القلق من خطر اعتقالهم في أي مطار يحطون فيه، حيث إنهم مطلوبون من الإنتربول لشرطة دبي. وبعضهم قرر الانطواء في البيت وعدم المغادرة حتى إلى السوق، لأن حماس نشرت أسماءهم من طرفها تحت لائحة «مطلوب حيا أو ميتا» مما يهدد حياتهم مباشرة. ويقولون إن منفذي العملية استغلوا أسماءهم بشكل منحط ومن دون رحمة، غير آبهين بتبعات ذلك عليهم.
إذا ثبت بالفعل ان الموساد هي الجهة الضالعة في العملية، فإن العلاقات بين إسرائيل وأوروبا قد تتعرض لضربة خطيرة بسبب تزوير جوازات السفر. لكن ومن واقع التجارب السابقة من المحتمل أن تكون الأزمة قصيرة الأجل حيث أن كافة الحكومات تقريبا لها ممارسات مماثلة من المراوغة والاحتيال بالنسبة للعملاء السريين، وبالتالي فإن الحكومات تفضل التزام الصمت بهذا الشأن.
ولا يمكننا أيضا أن نثق تماما في أن المحققين في دولة الإمارات العربية المتحدة سوف يتوصلون إلى حقيقة الأمر، لا سيما مع حقيقة أن هذه القضية بدأت تنطوي على الكثير من التعقيدات السياسية.
(على سبيل المثال، ظهرت بالفعل تقارير غامضة حول بدء استجواب فلسطينيين مشتبه بهما).
في حين أنه يبدو أن الحظ حالف شرطة دبي كثيرا في الكثير من الأدلة التي كشفتها الدوائر التلفزيونية المغلقة فإن ما يدعو إلى السخرية أن التداعيات الناجمة عن عملية اغتيال المبحوح قد تسبب الضرر الأكبر لأولئك المدافعين عن الحريات المدنية الذين يشنون حملة ضد انتشار آلات تصوير الدوائر التلفزيونية المغلقة واستخدام القياسات البيولوجية. لكن، ما كان يمكن الحصول على أي دليل ملموس بدون وجود آلات تصويرالمراقبة المنتشرة في دبي. ومع جوازات السفر الإلكترونية ما كان يمكن للقتلة أن يتخفوا في شخص آخر.
بريان وايتكر
الجارديان