اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

نوافذ - التعليم الحقيقي سبيل الخلاص

Sat, 28 يناير 2012

عاصم الشيدي -
لا أعرف حقا كيف يفكر صناع القرار في بلادنا فيما يتعلق بشأن التعليم، في كل مناسبة يتحدثون عن أهمية التعليم، وأنه الركيزة الأساسية لبناء أي تنمية في العالم، ويذكرون نماذج لها أول وليس لها آخر.. يتحدثون عن اليابان، وعن ألمانيا وعن ماليزيا، لكنهم عندما يضعون الخطط الاستراتيجية لبناء نهضة تعليمية محلية تأتي رخوة، ومهزوزة، وأمشاج من تجارب عدة في العالم تغيب عنها الرؤية العميقة، وإن حضرت في ظروف غامضة تغيب عنها إرادة التنفيذ وقوته وآلياته الحقيقة.، في خطابات جلالة السلطان الأخيرة، وفي اجتماعات مجلس الوزراء التي يتفضل جلالته بترؤسها تكون قضية التعليم حاضرة بقوة، ويدعو أيده الله صراحة الى أهمية إعادة النظر في التعليم، وما وصل إليه، إلا أن تلك الدعوات لم تأخذها الجهات المعنية والأجهزة التنفيذية بعين الاعتبار "فكيف يمكن لدعوات ولمقالات أن تجد من يسمعها؟!!".
ماذا أنتج التعليم المدرسي أو الجامعي: حكوميا كان أم خاصا حتى الآن - رغم كثرة التجريب الذي لا ينتهي - غير أجيال متشظية علميا ومعرفيا، وللأسف حتى أخلاقيا في بعض الأحيان!، رغم مرحلة الانفجار المعرفي الذي يمر بالعالم الآن.
هل مؤسساتنا التعليمة التي تأخذ حصة كبيرة جدا من ميزانية الدولة تُخرج أجيالا تتواكب أعدادها مع طموحات خطط التنمية، أو طموحات المرحلة، وهل جامعاتنا مراكز إشعاع حضاري، سواء جامعة السلطان قابوس أو الكليات الحكومية الأخرى، أو الجامعات الخاصة التي تدعمها الدولة بعشرات الملايين؟ الإجابة من وجهة نظري قطعا لا، وأبسط مثال على هذا أن غالبية مخرجات الشهادة العامة ليست لديهم القدرة التامة على أبسط أبجديات التعليم وهي القراءة والكتابة ناهيك عن تفاصيل المعرفة الأخرى. والجامعات التي يدخلها في العادة المتفوقون ليست مخرجاتها في الغالب بأفضل من ذلك مع الأسف الشديد.. وإن أردتم المزيد فعليكم بسؤال لجان المقابلات للحصول على الوظائف.. وعليكم بامتحانات قبول المعلمين لتروا العجب العجاب.
ورغم ان التوجهات تسير بشكل متسارع الآن إلى وجود مراكز وأقسام لضبط الجودة، إلا أنها مع الأسف الشديد ، مازالت أقساما شكلية ليس أكثر، وربما تكون أقل. في كل مديريات التربية والتعليم هناك أقسام لضبط الجودة، لكن الجودة لا تنضبط إطلاقا، لأنها في البدء غير مؤسسة بشكل علمي حقيقي، ولأن أغلب العاملين عليها ليسوا مؤهلين لذلك، ويطبق بعضهم نظرية علمية عربية للأسف تُختصر في كلمة واحدة هي "مشي حالك".
الأمور الشكلية تشغلنا أكثر من أي شيء آخر.. كل مسؤول مهما صغر يصنع بناء ورقيا أمام مسؤوله الأكبر منه، وذلك المسؤول يصنع بناء أكبر قليلا أمام المسؤول الأكبر وهكذا حتى يعتقد المسؤول الذي في أعلى هرم المؤسسة أن ثمة بنيان حقيقي صامد وشامخ حقق السياسة المطلوبة، لكن أيا منهم لم يختبر الميدان الذي تحت إدارته ليكتشف قوته وصموده، ويكتفي بالبطانة "الصالحة" .. وهكذا يستمر الأمر حتى تبدأ العواصف في الهبوب فيتناثر البناء ويظهر وجه العجوز الشمطاء الذي حرقته المساحيق وشقت فيه أخاديد يحتاج ردمها إلى مدد أكبر مما مضى.
وهذا الأمر في أغلب مؤسساتنا مع الأسف.. نعشق البريستيج والأبراج العاجية، فيما نفقد تماسنا مع الجوهر الحقيقي. لكن الأمر المهم في كل هذا هو مؤسسة التعليم؛ لأنها أساس كل شيء، وعندما تكون لدينا أجيال متأسسة تعليميا ومعرفيا بشكل صحيح وحقيقي، فإن هؤلاء سيستطيعون أن يرفدوا بقية المؤسسات.
عمان تحتاج منا إلى تضحيات أكبر، وإلى إخلاص في العمل يفوق ما نحن فيه بمراحل كثيرة. وعلى من يضعون الخطط الاستراتيجية لهذا البلد أن يستلهموا التجارب الحقيقية للاستفادة منها وليس للحديث عنها بإعجاب فقط، وأن يضعوا دعوات جلالة السلطان المتكررة لإعادة النظر في مؤسساتنا التعليم نصب أعينهم، فهو أحرص على كل تفاصيل هذا المجتمع من أي مسؤول آخر.