د. عبدالحميد الموافي -
بالرغم من أنه لم يكن متوقعا أن يتمخض اجتماع وزراء الخارجية العرب حول التطورات في سوريا، وهو الاجتماع الذي تأجل، ثم عقد أمس الأول الأحد، عن مفاجآت، وذلك في ضوء رؤية مواقف الأطراف العربية المختلفة من التطورات الجارية في سوريا، والحدود التي تتحرك فيها الدول العربية، وما يحكم العمل العربي المشترك عبر جامعة الدول العربية من قواعد واعتبارات، سابقة وآنية ولاحقة.
إلا أنه يمكن القول إن التناول العربي للتطورات في سوريا، وما تم الاتفاق عليه من تمديد لعمل بعثة المراقبين العرب فيها، يتسم في الواقع بالكثير من الأهمية، سواء بالنسبة للحاضر أو بالنسبة للمستقبل العربي بوجه عام وبالنسبة لجامعة الدول العربية بوجه خاص. ولعله من المهم والضروري الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب فيما يلي:
** أولا: أنه في ظل ازدياد، بل واتساع أعمال العنف بين القوات السورية، وبين المعارضين، وانتقالها بالفعل إلى مرحلة نوعية أعلى، وذلك بعد ظهور مسلحي الجيش السوري الحر المنشق في أكثر من مدينة سورية، وبعضها على بعد عدة كيلومترات من العاصمة دمشق، وقيامهم بشن هجمات واتباع تكتيكات حربية في مواجهة القوات الحكومية من ناحية، وظهور مصطلحات وقف إطلاق النار، واتفاقات الهدنة، وتنظيم سحب القوات الحكومية من هذه المدينة السورية أو تلك، من ناحية ثانية، من شأنه أن يدفع بالموقف في سوريا، وبشكل سريع إلى الانزلاق إلى حرب أهلية، أو على الأقل أعمال عنف واسعة النطاق، بكل ما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج على الصعيد الداخلي السوري من جانب، وعلى الصعيد الإقليمي أيضا من جانب آخر، خاصة وأنه يتردد بشكل متزايد أن إمدادات عسكرية تصل إلى سوريا من إيران وحزب الله اللبناني وروسيا أيضا، وهو ما يلقي بأعبائه على المستقبل أيضا. وعلى ذلك فإنه من المهم والضروري العمل بكل السبل من أجل وقف حمام الدم السوري، وبأسرع ما يمكن. نعم الجميع يدرك أهمية وضرورة ذلك، ولكن الجميع أيضا يقف مشلولا أمام استمرار السلطات السورية في اعتماد أسلوب الزج بالقوات السورية في شوارع العاصمة والمدن السورية، وهي القوات التي لم تنشأ، ولم تتدرب على مثل هذه الأعمال. نعم تحدثت السلطات السورية عن جماعات إرهابية، من الداخل والخارج، وبالطبع يتحول كل منشق عنها إلى إرهابي وخائن من وجهة نظرها، ولكن هذا الأسلوب والاستمرار في مثل هذه الممارسات يدفع نحو انفلات الأمور في سوريا، وبشكل لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن تصل إليه الأوضاع خلال شهر أو بضعة أشهر من الآن. وإذا كانت جموع الشعب السوري تخرج معبّرة عن مطالبها ووجهات نظرها، والتأكيد على ضرورة التغيير، فإن وقف حمام الدم السوري ينبغي أن يحظى بالأولوية الأولى. وحتى الآن للأسف لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية بين الحكومة والمعارضة للخروج من هذا المأزق الذي يزداد صعوبة وتعقدا يوما بعد يوم. فكلما تدفق المزيد من الدماء ازدادت صعوبة كسر الحلقة السورية المفرغة. ولأن القيادة السورية لا تزال هي المسيطرة على مختلف أدوات القوة في سوريا، فإن الكرة تظل في ملعبها، وإذا لم تستجب، أو تصورت أن الوقت في صالحها، فقد تفاجأ بأن انهيار سوريا يجرفها هي الأخرى معه، وهو درس من دروس الربيع العربي الدامي.
** ثانيا: إنه مع الوضع في الاعتبار أن بعثة المراقبين العرب التي أمضت شهرا من العمل في سوريا، والتي بلغ عدد عناصرها نحو 160 مراقبا، قد حاولت القيام بدورها في سوريا، برغم عدم توفر العديد من التجهيزات، وبرغم عدم خبرة عناصرها في هذا المجال، وبرغم الالتباس الشديد حول حدود مهمتها في سوريا. فقيادة البعثة ترى أن مهمتها ليس وقف أعمال العنف، ولكن مجرد التحقق من أن السلطات السورية تنفذ التزاماتها وفق البروتوكول المنظم لعمل البعثة، وفي حين ترى دمشق أن عمل البعثة حدده اتفاق التفاهم الذي وقعته سوريا بعد إدخال تعديلات عديدة عليه تحد من حرية حركة المراقبين على الأرض، فإن الحكومة السورية أعربت عن أنها لم توافق على البروتوكول، وهو ما ردت عليه جامعة الدول العربية في حينه. أما الرأي العام السوري والعربي فإنه كان يعوّل على بعثة المراقبين وعملها، متصورا أن وصولها إلى بلاد الشام سيعني توقف أعمال العنف، واتجاه الأوضاع السورية إلى الاستقرار، ولكن ما حدث هو أن المواجهات ازدادت واتسع نطاقها في ظل وجود المراقبين العرب، بل إن بعض المراقبين تعرضوا للتحرش بهم من جانب قوات حكومية، كما أن بعض المعارضين لم يتعاونوا معهم يأسا منهم وعدم ثقة فيما يقومون به. وفي مثل هذا المناخ تحولت بعثة المراقبين إلى جهة يلومها الجميع. غير أن ذلك لا يعني على أي نحو أن بعثة المراقبين العرب لا أهمية لها، فالواقع هو أن هذه البعثة يمكنها أن تقوم بدور مهم، ولكن إذا وجدت تعاونا صادقا وكافيا معها من جانب السلطات السورية، وإذا كانت السلطات السورية تريد احتواء التطورات بالفعل. يضاف إلى ذلك أنه لم يكن مصادفة أن تظهر الدعوة لإنهاء عمل بعثة المراقبين العرب استنادا إلى أنها لم تستطع القيام بدورها المنشود، ولا تحقيق أهدافها المحددة لها. غير أن خطورة هذا الطرح تتمثل في أنه بمثابة مقدمة لتدويل الأزمة والانتقال بها إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما يدفع بعض فصائل المعارضة السورية نحوه بالفعل، وما أيدته بعض الأطراف العربية بشكل أو بآخر. غير أنه من الواضح أن الدول العربية لا تزال تعطي الفرصة للسلطات السورية للعمل على التوصل إلى حل، أو توافق ما، يجنب سوريا الانزلاق إلى هذا المنحدر الخطر الذي سيهدم في النهاية سوريا كقوة عربية مؤثرة، كما تم هدم العراق وليبيا من قبل، وهو ما نتمنى إلا يحدث، وإن كانت مؤشراته تزداد وضوحا مع استمرار النزيف السوري.
** ثالثا: أنه إذا كانت جامعة الدول العربية قد قامت من قبل بإرسال قوات عربية إلى الكويت عام 1962 لمواجهة تهديدات الرئيس العراقي الأسبق عبدالكريم قاسم، كما قامت بإرسال قوات الردع العربية إلى لبنان عام 1976، وهي القوات التي تحولت بالكامل إلى قوات سورية استمرت حتى عام 2008 عندما أجبرت على الانسحاب من لبنان، وفي كلتا الحالتين سمحت الأوضاع العربية بمثل هذه الخطوة الكبيرة، إلا أن إرسال قوات عربية إلى سوريا هو أمر صعب إلى حد الاستحالة لأسباب كثيرة ومعروفة أيضا، سواء بحكم وضع سوريا وقوتها ومواقف حكومتها مما يجري، أو بحكم صعوبة إيجاد القوات أو الطرف العربي القادر والراغب في إرسال وحدات من قواته إلى سوريا الرافضة لمثل هذه الخطوة بالطبع. وهنا تحديدا فإن فكرة الحل العربي، عبر قوات عربية، تتبدد في الواقع عمليا، كما تبددت من قبل فكرة الحل العربي لإخراج القوات العراقية من الكويت بعد غزو صدام لها عام 1990. ومن ثم يظل الخيار المتاح هو من خلال بعثة المراقبين العرب، مع زيادة إعدادها وتجهيزها بشكل أكبر وتدريب عناصرها إذا أمكن ذلك، وإذا وافقت دمشق أيضا، لأن موافقتها ضرورية كدولة صاحبة سيادة. أما إذا تمسكت دمشق واستمرت على عدم تعاونها، وعلى توسيع نطاق العنف والمواجهات، وعدم الاهتمام بالبحث عن توافق مع المعارضة لوقف حمام الدم بأسرع ما يمكن، فإن بعثة المراقبين العرب ستكون بفشلها مقدمة للتدخل الدولي من خلال مجلس الأمن الدولي بالطبع، ليس فقط لأن هناك أطرافا دولية وإقليمية تدفع في هذا الاتجاه، ولكن أيضا لأن هناك اتفاقيات تعاون بين جامعة الدول العربية وبين الأمم المتحدة من ناحية، كما أن فشل المنظمة الإقليمية في الحفاظ على الأمن والسلم في إقليمها يفتح الطريق بشكل مباشر أمام مجلس الأمن للقيام بذلك، وفق مواد ميثاق الأمم المتحدة. فلعل التمديد لبعثة المراقبين ينجح في قطع الطريق أمام هذا الاحتمال المخيف والمؤلم بالتأكيد بالنسبة لسوريا كشعب وكدولة، وكحاضر ومستقبل، وبالنسبة أيضا لكل محبيها على امتداد المنطقة. فها تنتبه القيادة السورية؟ يا ريت قبل فوات الأوان وقيل أن تفلت الأمور على الأرض..