اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

صوموا تصحوا .. فهذا الجهد وعليك التكلان

Thu, 09 سبتمبر 2010

أحمد بن سالم الفلاحي -
ها نحن – وبحمد الله – وصلنا إلى نهاية شهر رمضان المبارك، وكلنا أمل أن نكون من ضمن قائمة المغفور لهم، المتقبل صيامهم، وقيامهم، وجميع أعمالهم الصالحة ، وأن يبعدنا الله عن الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الحديث:( ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش).
فبحكم الجبلة التي فطر الله الناس عليها فهم الضعفاء أمام المغريات، الأذلاء، أحيانا أمام الشهوات، تصطادهم الذنوب، وتعكر صفوهم الآثام، ورمضان بلياليه ونهاراته ليس كما هو معروف قبل عشرين سنة أو أكثر، على سبيل المثال، فقد تداخلت فيه في السنوات الأخيرة من عمر البشرية الكثير من المفاهيم، وتغيرت فيه الكثير من السنن، والعادات، والقيم، لأن الحياة بتطورها تفرض على الناس أجندات خاصة بها، قد لا يستوعبونها، وقد لا يقبلونها، وقد لا يعارضونها، وفي المقابل هناك من يستحسن ذلك كله، ولذلك يغدو مفهوم الصيام كما يخطط له الشارع الحكيم صعب المنال بالصورة ذاتها كما بدأ، فالإنسان المسلم يواجه تحديات كثيرة في حياته اليومية، فكيف له القدرة على التوفيق بين متطلبات الصيام، وبين ما يدور من حوله في بيئته التي تعج بمتناقضات كثيرة، وتتلاطم فيها الأمواج بأنواء مناخية عديدة، أحيانا يساهم فيها الإنسان بصورة مباشرة ، وأحيانا تكون خارج إرادته وقوته وبصيرته وقناعاته.
نكمل اليوم هذا الشهر الفضيل بالجهد الذي قمنا به، ووفقنا الله عليه، ونتكل على الله في قبوله، وفي إجابة دعائنا . (فهذا الجهد وعليه التكلان) .
وفي هذه المناسبة استوقفني ما كتب المفكر الإسلامي الكبير المرحوم الدكتور مصطفى محمود عن نفسه؛ حيث يروي أن أمه كانت تغلق جهاز التلفاز طوال فترة شهر رمضان وتسدل على شاشته الستائر الداكنة، ولا تزيحها إلا بعد الانتهاء من صيام الشهر الفضيل، فكتب يقول: (هكذا أرادت أمي أن تعلمني (احترام) رمضان منذ نعومة أظافري فلتشاهد الفوازير والمسلسلات والأفلام كما تحب طول العام إذا كان ذلك يتناسب مع معتقداتك، وأخلاقك.. ولكن في رمضان ستظهر احترامك لهذا (الضيف) سواء كنت متدينا أم لا).
(غفر الله للدكتور مصطفى محمود واسكنه فسيح جناته).
طبعا لن نجرؤَ نحن اليوم على أن نعطل هذه الشاشة السحرية طوال شهر كامل على أسرنا، وإلا ستصل القضية إلى محكمة العدل الدولية، وستتبناها كل المنظمات الحقوقية في العالم لأننا سنحرم أجيالنا من حق المعرفة، ومن حق الترفيه، ومن حق السهر حتى صباح اليوم التالي، ولن تنفع كل المبررات التي قد نسوقها للتدليل على سلوكنا هذا.
ولذا، والحال هكذا، سنرفع الأكف ضارعين إلى الله على أن يلهمنا الصواب، والصبر، والرضا، وسنقول مع قراراة أنفسنا: عسى الله أن يأتي بالخير من عنده، ويلهمنا جميعا صواب الرأي وسلامة المقصد.
رمضان سيظل أمانة في أعناقنا تسلمناها منذ وعينا بالحياة، واستطاع الوالدان العزيزان أن يغرسا فينا قدسية هذا الشهر، وحاولنا الالتزام وفق قدراتنا، ومن جانبنا نمارس الدور نفسه على أبنائنا، ولكن المفارقة كبيرة، والجهد أكبر، فما يدور من حولنا براكين جامحة ليس باستطاعة مخلوق ضعيف أن يقف ضدها، أو يوقف اندفاعها ولو إلى حين، ولذا نختم بالدعاء (فهذا الجهد وعليك التكلان يارب العالمين).