عاطف الغمري - نائب رئيس تحرير الأهرام:-- لم يعد هدف التقدم الاقتصادي، والازدهار صناعيا وزراعيا، لغزا، أو قضية تستعصي علي التحقق في أيامنا هذه. وإلا فما الذي مكن دولا كانت إلى سنوات قليلة مضت غير موفورة الحظ في الموارد، بل منها دول شهدت تجربتها بعيني لا تملك أرضا تزرع، أو موارد تصنع. ومع ذلك قفزت اقتصاديا، وبلغ دخل الفرد فيها إلى مستوى الدخل نفسه الذي أغني الدول البترولية؟!
الدول التي صنعت تقدمها في سنوات معدودات تتراوح بين 15 و20 سنة، وأغلبها في آسيا وبعضها في أمريكا اللاتينية، انطلقت من نقطة بدء بنتها علي فلسفة للهدف الذي تريده، والكيان الذي تبغي أن تكونه، وكانت نقطة البدء هي: ـ وضع مشروع قومي للتنمية مدروس جيدا، ومحدد الهدف، يقوم على أقصى استخدام للموارد المتاحة، وتطويع مواقع الندرة أو نقص الموارد، بتغيير نوعية استخداماتها، بما يجعلها مفيدة وليست عائقا.
وفي كل هذه التجارب، ارتبط المشروع، ببذل جميع الجهود بشكل منظم حتي تتدفق الدماء في شرايين القطاعات التي تتكامل بها عملية التنمية من التعليم، والبحث العلمي، إلى الدقة في اختيار القيادات التي تتولى إنجاز ما يخص الخطة في قطاعها، وتحديد توقيت زمني لبلوغ الهدف المنشود، وآليات المحاسبة، والمساءلة. وكل ذلك في إطار مفهوم دولة القانون. وكذلك الحرص على تحقيق أقصى استفادة من علم العلماء، والخبراء، وليس انفراد الوزير بالسياسة والخطة منفردا بها هو ومعاونوه، مستبعدا آراء وفكر وخبرة أهل المعرفة.
وهنا يوجد خط فاصل بين التقدم والجمود، فالأول قضيته هي الإنتاج، ومن أجلها يضع القوانين والقرارات التي تخدم هذا الهدف، وتزيل جميع المعوقات من أمام إنجاز القدرة الإنتاجية.
أما الثاني فقضيته هي الاستيراد والمحافظة عليه، كتقليد وثقافة، حماية للعمولة، التي يتيحها الاستيراد، ويحرمهم منها الإنتاج، فيعوقون خطاه.
وإذا ألقينا نظرة علي مصادر الإنتاج المتاحة، في مصر على سبيل المثال فسنجد من بينها علي سبيل المثال لا الحصر: سيناء الذي كان قد وضع لتنميتها المشروع القومي لعام 1994، الذي أوقف العمل به بعد سنتين من بدئه كليا - الصحراء الشاسعة التي تكون 94% من مساحة مصر، التي توجد لها في مصر مؤسسات علمية، أنتجت دراسات وأفكارا، لكيفية الاستفادة منها كمواقع للإنتاج، والمعيشة، والتوطن، بما يخفف الضغط السكاني والمعيشي عن الوادي ـ العمق المواجه للبحر على الساحل الشمالي بطبيعته الصحراوية الجبلية، والصالحة لصناعات وزراعات بيئية، فضلا عن زراعة القمح. وهو ما سمعنا عنه كلاما كثيرا. يظل حتى الآن مجرد كلام- مشروع المدينة الصناعية التكنولوجية المشتركة مع الصين، الذي وقع الاتفاق الخاص بها رئيسا وزراء مصر والصين في القاهرة في يونيو 2006، ولم يوضع موضع التنفيذ حتى الآن، وهو ما كان سيعود على مصر بمكاسب في مجالات الإنتاج والتصدير، واكتساب المعرفة بالتكنولوجيا الجديدة، وتوفير فرص العمل.
أضف إلى ذلك ما كان ينبغي أن يكون محل الاهتمام منذ سنوات، بوضع مشروعات للاستثمار المشترك لثروات وموارد غير مستغلة في إفريقيا، التي راحت تتدفق عليها في السنوات الماضية وفود كبيرة من دول بعيدة عنها جغرافيا مثل الصين والهند وإيران وتركيا وغيرها، فضلا عن إسرائيل وأولهم جاءوا وفي جعبتهم مشروعات وخطط جاهزة، وضع الكثير منها موضع التنفيذ:
اللافت للنظر الذي يتعارض تماما مع الاهتمام بالإنتاج كهدف ومفهوم وفلسفة، هذا الإهدار المتصل منذ سنوات طويلة لمواقع منتجة، وتفريغها تماما من طاقتها الإنتاجية، وهو ما جري ويجري مع البحيرات التي تردم أكبر مساحاتها جهارا نهارا.
إن العالم مقبل على عصر الندرة في الإنتاج، خصوصا الإنتاج الزراعي، وهو ما ظهرت مؤشراته في أزمة القمح الأخيرة، ويفترض أن يكون ذلك حافزا لإحياء ثقافة ومفهوم الإنتاج، وليس كثرة ترديد الأحاديث عن ضمانات الاستيراد، وكأنه هو الحل.
إن مصر زاخرة بالعلماء وأصحاب الخبرة والمعرفة، وكثير منهم لديه اقتناع قائم علي فهم وعلم ومعرفة ودراسات استمرت سنوات، بأن مصر قادرة علي تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات، وإنتاج ما يقرب من ثلاثة أرباع احتياجاتها من الغذاء، بشرط أن يكون الإنتاج هو فلسفة الزراعة.. بل فلسفة التنمية.
إن الإنتاج في مختلف مجالاته لم يعد ومكسبا علميا كقضية اقتصادية فحسب، تلقي مسؤوليتها علي الجهة التنفيذية المختصة، وذلك منذ صعدت القدرة الاقتصادية التنافسية إلى قمة مكونات الأمن القومي، أي أن الإنتاج بمفهومه التنافسي صار عملية استراتيجية لا بد من أن تدار من المنظور الاستراتيجي.
ولنا أن نلاحظ أن الدول التي نجحت في تحقيق القدرة الاقتصادية التنافسية، القادرة على أن تتجاوز بإنتاجها حدود الدولة محليا وإقليميا، إلى السوق العالمية، هي التي تحظى الآن باعتراف القوى الكبرى، بأنها صارت مهيأة لتكون شريكا في إدارة النظام الدولي التعددي الجديد.
وإن هذه القدرة تأسست قبل ذلك على أساس متين في الداخل سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا.
.. هذا عصر قانون التنافس، الذي يتجاوز النظرة إلى التنمية على أنها مجرد تنافس اقتصادي فحسب، فهو أشمل من ذلك وأبعد مدى، وهو مشروع استراتيجي شامل ومتكامل، ولم يعد بالنسبة لأي دولة تريد اللحاق بقطاره، لغزا أو مهمة عسيرة ومحبطة.