اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

جسور بين ضفاف الأزمنة

Wed, 08 سبتمبر 2010

د. هادي حسن حمودي - باحث وأستاذ جامعي عراقي – لندن:-- دعونا نضع النقاط المناسبة للحروف الملائمة لها، فنقرأ الباءَ باءً والنون نونا كي نفرّق بين الزَّيْن والشَّين. وأن نتعلّم أنْ (الزَّين) هو الشيء الحسَن ومنه التزيين أي التحسين والتجميل، وأنّ (الشَّين) هو الشيء غير الحسَن، أي هو ما يشين المرء أنْ يقوم به.
إنّ أول حرف في محصلة النّهضة العُمانية يبرهن أنّ عُمان تتألّق حين يريد أهلها ذلك، وحين يظهر من بينهم قائد يأخذهم معه في طريق السّموّ والرّفعة والتّقدّم، من غير أن تفقد هوّيّتها وأصالتها، ومن غير أن تتعجّل الأمور إلاّ ما كان الواقع يقتضي التّعجيل به، ولا يهمّها مَنْ يتعجّل الأمور قبل أوانها. فهي لا تريد أن تقلّد الآخرين، أيّا كان مكانهم وزمانهم، بل أنْ تبتنِي نفسَها بحدود قدرتها وطاقتها واحتياجاتها.
وهذا هو الطريق الوحيد الذي نعرفه للتقدم والتطور.
وفي مقابل ذلك لا نعرف طريقا لسقوط الحضارات، عبر تاريخ الإنسانية كلّه، لم يمهّد بالاختلافات والصراعات وتمزيق وحدة المجتمع، وتبنِّي العدوان والتطرّف والغلوّ، والتقليد الأعمى سواء لِما مضى أم لِما هو كائن في مواطن أخرى. ذلك أنّ لكل زمان ظروفَه، ولكل مكان فروضَه.
وفي خضم عوالم الشعارات الصاخبة من (يمين) و(يسار) وما يتفرع عنهما، في أرجاء متعددة من العالم، بما فيه العالم العربي، في هذه الأزمنة الحديثة وصراعاتها، استطاعت عُمان أن تحافظ على (عُمانيّتها) ووسطية فكرها المسيّر لها، حتّى صارت مثالا طالما دعونا إلى الاقتداء به؛ لأنّ نهضتها قد انبنت على إيجابيّات تاريخها الشّامل، وفروض واقعها المعاصر.
واليوم، فعلى الشّعب الذي يريد أن ينمو ويتطوّر، في أي مكان على الكرة الأرضية، أن يتعرّف على نقاط القوّة في تاريخه، وأن يتفهّم نقاط الضّعف، فيعمّق الأولى، ويتخلّص من الثّانية. وأن يتفهم قوانين العالم المعاصر وتفاعل مصالح الدول والشعوب والأمم. أما المسيرة العشوائية، التي تعنِي الاكتفاء بالطلاء الخارجي لواقع متهرّئ فلا تؤدّي إلاّ إلى التّخبّط والفشل. وهذا ما نلاحظه بوضوح في أرجاء عديدة من العالم، حين تتحوّل البلاد إلى موئل للتجارب الـمُستنسَخَة، زمانا ومكانا، بلا تمحيص كاف، ولا وعي مؤهّل لأن يميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر الوليد.
لقد أدركت عُمان في سنة 1970 واقعها الموروث، وما يجب أن تفعله من أجل التطور والتقدم المتأنِّي. ذلك أنّها لا تستطيع أن تتخلَّى عن ذلك الواقع الموروث الذي يتضمن عقيدة هي الاسلام، وواقعا جغرافيا ذا أهمية خاصة، وتاريخا سعيدا تارة وصعبا أخرى، ومكونات سكانية. إضافة إلى علاقات دولية حديثة متشابكة ومعقدة، متحولة ومتغيرة بناء على مصالح ما بين اتفاق وافتراق.
وتأسيسا على كل ذلك بَنَتْ عُمان مسارها وحدّدت معالم طريقها في بناء حاضرها ومستقبلها. لقد كان من السهل اليسير عليها أن تجعل (الإسمنت أو الخرسانة) عنوان تطورها المعاصر. ولكنّها وقفت أمام سؤال: هل من الصحيح أنّ الإسمنت أو الخرسانة يصنع الحضارة، أو النهضة أو التقدم؟! ثم وجدت أنّ الجواب السلبي لهذا السؤال يفرض عليها بناء القاعدة الارتكازية للتطور الحقيقي وهي بناء الإنسان الذي يطلب العلم النافع أينما كان، ويؤدي العمل الصالح المفيد في أي ميدان من ميادين الحياة: زراعة وصناعة وتجارة وثقافة وغيرها.
ثم وظّفت موروثها لِما من شأنه أن يساعد على بناء تلك القاعدة الارتكازية. فعملت على عدة محاور:
* لقد اتخذت الإسلام دينا للدولة بفهم موضوعيّ بعيد عن الغلوّ والتّعصّب، انطلاقا من القاعدة المعروفة: (لا إفراط ولا تفريط). وبناء على جملة قواعد شرعية أخرى مستلهمة من فهم حيوي لآيات التنزيل العزيز وما صح من حديثٍ نبويّ شريف، إلى غير ذلك من قواعد الاستنباط للقوانين التي تشرَّع بمراسيم سلطانية.
* ولم تنسَ عُمان فروض موقعها الجغرافي ومسؤوليتها الدولية في المحافظة على أمن الممرات المائية وبخاصة مضيق هرمز الذي يُعدّ شريانا من أهم شرايين الطاقة في العالم. ومن جانب آخر ازدادت أهمّيّة هذا الموقع في الأزمنة الحديثة، بفعل أنّ أرض البلاد، قد كشفت عن بعض خيراتها من معادن وغيرها، مِمّا حمّل عُمان مسؤوليّات إضافيّة للاستفادة من تلك الخيرات لِما فيه خير حاضرها ومستقبلها والوعي بضرورة المحافظة على مصالحها وتبيّن أسلم السبل لتكوين علاقات تبادل المصالح مع دول العالم بما يضمن مصلحة عُمان من غير إساءة إلى مصالح الدول الأخرى، فالعالم اليوم متداخل المصالح، ويزداد اعتماد دوله بعضها على بعض، في سباق تنافسيّ لا يخرج منه سالما إلاّ المجتمع العارف بما له وما عليه.
* وتفهمت عُمان تأثير تراثها وتاريخها، في مرحلتها الحالية، في نفوس أبنائها، من جهة، وفي رؤية العالم لها باعتبارها ذات تاريخ عريق قديم قِدَم الإنسانيّة ذاتها. وباعتبار ذلك التاريخ يتضمّن عديدا من القوانين الفعّالة التي صاغت حضارات موروثة ذات آثار نفسية ومادية متواصلة.
إن الدراسات العلمية المعاصرة انتهت إلى أن التاريخ علم. وعليه فإن التاريخ العماني، ونظرا لما داخله كغيره من تواريخ الأمم، من مبالغات بناء على رؤى شخصية من المؤرخ، يجب أن تُعاد دراسته دراسة علميّة موضوعية. ونعتقد أنّ هذا هو السبب الذي دفع عُمان إلى الحديث عن (إعادة كتابة التّاريخ) إضافة إلى ما توفره تلك الإعادة من استفادة مثلى من دروسه وعِظاته ومآلاته. ومن هنا نتفهّم قيام عُمان بتنبيه أبنائها إلى الصّور المتألّقة لذلك التّاريخ، وتوجيهها لهم أن يأخذوا أنفسهم بالجدّ والاجتهاد، وأن يترسّموا مسيرة الآباء والأجداد، حين تكون تلك المسيرة نافعة ومفيدة لهم، بل أن يقدّموا أفضل مِمّا قدّم أولئك الآباء والأجداد.
* ولا تنسى عُمان المعاصرة أهمية الوحدة الاجتماعيّة والمجتمعيّة. وبفعل نتائج بناء الدولة العصرية التي لا بد لها من الارتكاز على المجتمع المتطوّر استطاعت عُمان أن تستفيد من العلاقات الأسريّة والقبليّة، واستبدلت بالعلاقات القديمة علاقات جديدة قائمة على أسس قانونيّة واضحة.
* وبذلك تأهلت البلاد لإقامة علاقاتها الدّوليّة المتوازنة، فلقد فرضت تطورات العالم على كل دولة من دوله، وبخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، الالتزام بمواثيق وعهود ومعاهدات لا يصحّ تجاوزها. ولذا صارت تنمية العلاقات الدّوليّة بمثابة الجسر الذي تعبره الدولة نحو مصالحها بالدرجة الأولى. فكان لزاما على عُمان أن تتخذ من علاقاتها الدولية ما يحقق مصالحها التي تعود على المجتمع العُماني بما يساعده على مواصلة نهوضه وتطوره. وأن تتفاعل إيجابيا مع الدول الأخرى، بما تقدّمه للعالم عبر تلك العلاقات المبنيّة على الاحترام المتبادل وعدم التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة لعمان وللدول الأخرى، وإلى سائر القواعد التي ترتكز عليها عُمان في تحرّكها الدّولي، وبناء علاقاتها مع الآخرين.
ويجب الانتباه، هنا، إلى أنّ عُمان قد حددت مفهومها للتطور، على أساسين اثنين:
* أمّا أولهما، فعدم التجمّد على الماضي ومنجزاته.
* وأمّا ثانيهما فعدم التقليد الأعمى لشعارات الأزمنة الحديثة ونظمها واختيارات الأمم والمجتمعات الأخرى.
وبناء على هذين الأساسين يُحمد للنهضة العُمانيّة أنّها لوّنت موروث البلاد بألوان حاجات العصر الحديث، أي انّها طورته بحسب حاجات سكانها.
إنّ قراءتنا لمنجزات النّهضة العُمانيّة، تدلّنا على أنّ عُمان الحديثة لم تهمل مواريثها ولا مقتضيات هذا العصر، فنفعتْ وانتفعتْ، بانفتاحها على العالم وفق أسس تراثها وقيمها وأهدافها وتطلّعاتها المستقبليّة، كما انّها فتحت أبوابها لأبنائها في حريّة السّفر والعمل في أيّ مكان يرغبون به، إثراء لتجاربهم، وإغناء لطموحهم، وتحقيقا لِما يرغبون به من إفادة واستفادة.
وعُمان اليوم دولة لها حدودها المعلومة والمخطّطة بموجب اتفاقيات مع الدّول المجاورة، بموجب الرّؤية العُمانية للحدود على انّها جسور تواصل لا أسوار قطيعة، وهو التّعبير الذي نراه يتكرّر في أدبيّات عُمانيّة عديدة منها الكتاب السّنويّ الذي تصدره وزارة الإعلام العُمانيّة.
وبناء على هذه الرؤية استطاعت عُمان، أن تُنهي جميع الخلافات الحدوديّة بينها وبين جيرانها، لتتفرّغ لبناء نهضتها ومواصلة مسيرتها بأبنائها نحو غد مشرق، بحسب تعبير النّطق السّامي. ويبدو أن من العوامل التي ساعدتها على ذلك فهمها للاسلام الذي يدعو إلى الأخوة والمحبّة والتسامح، ثم ينتقل بتلك القيم إلى مجال التعاون والتكامل سواء بين المواطنين أم مع المجتمعات المجاورة، وهي مجتمعات مسلمة يجب أن تتعاون فيما بينها وأن تتخلص من الصراعات والخلافات وما تنتجه من خراب ودمار وانهيار اقتصادي، في منعطفات تاريخية تستلزم التعاون والتساند. ولا ننسى نتائج الحرب العراقية الإيرانية أولا، ثم حرب سنة 1991 إثر اجتياح الكويت، وتداعياتها التي لا تزال ماثلة للعيان.
ولقد أثر الاسلام من ناحية أخرى في النفس العُمانية مِمّا أثرى مسيرة النهضة بالتّنوّع في الاجتهادات والرّؤى بضمن إطار التوحد الاجتماعي الذي نتج عن إزالة التراكمات السلبية التي شهدتها البلاد في بعض مراحل تاريخها.
إنّ الوعي بكيفيّة الاستفادة من الموروث ومن العصر الحديث يعمل على تطوّر البلاد وتقدّمها في مختلف الأصعدة. ومن البديهيّ أنّ مِمّا يعرقل ذلك التطور، أمورا لا بد من تلافيها كالتّقوقع، والتجمد في صناديق مقفلة، والقفز فوق واقع البلاد ومتطلباتها الحيوية، والخضوع للشعارات المغرية وغير الواقعية، وعدم فهم العقيدة فهما سليما، وإهمال متطلّبات جغرافيّة البلاد وموقعها وخيراتها، وعدم الاستفادة من دروس التّاريخ في تألّقه وخموده، وتحوّل الرّوابط الاجتماعيّة إلى خلافات واختلافات وصراعات وهي جميعها التي جهدت عُمان للتخلص منها حتى استطاعت أن تبنِي نهضتها المعاصرة بفكر مستنير رصين مكّن البلاد من أن تدخل، بدءا منذ سنة 1970، الأزمنة الحديثة، وأن تستشرف آفاق مستقبل تريده أن يكون مستقبلا سعيدا آمنا مطمئنّا.
فصار من المحتّم على المواطنين أن يبذلوا كلّ جهدهم من أجل أن يصنعوا حاضرا مزدهرا، ومستقبلا خيّرا لهم ولغيرهم من شعوب الأرض وأممه، مرتكزين على آصل ما في تاريخهم من صور الخير والنّفع العامّ، وعلى ما تقدمه لهم معطيات العصر الحديث ومنجزاته وتشابك علاقات شعوبه ودوله.
إنّه حكم التّاريخ الذي لا يرحم إلاّ من يقوم بفروضه، ويأخذ نفسه بالجدّ والاجتهاد والعمل الصّالح المؤسّس على العلم النّافع. وبهذا وحده يمكن أن نضع النقاط المناسبة للحروف الملائمة لها في مسيرة خير ونماء وسلام.