يكتبها اليوم: عاصم الشيدي -
"سأفترض سلفا أن من حق أي فكرة أن تتطور، وتنمو إلى أن تتبلور مشروعا قابلا للتبني بعيدا عن الضجيج الذي قد يحدث على جانبي الطريق".
قبل حوالي سنتين كتبت مقالا يعاتب وزارة التربية والتعليم على الإجراءات التي اتخذتها حينها بشأن اعتماد الاختبار التنافسي مقياسا لقبول الراغبين في العمل في مهنة التعليم، بعد أن كانت الأقدمية في التخرج هي المعيار المعتمد، وأثار الأمر (النظام وليس المقال على الأرجح) حينها حفيظة الكثيرين.
الآن مضى على ذلك القرار حوالي سنتين، لكنه طفأ على السطح كالعادة بعد ظهور نتيجة اختبارات القبول، التي كشفت عن الكثير من الأسماء التي لم تقبل، الأمر الذي جعل الوزارة تتعاقد مع معلمين من الخارج.
في الحقيقة راجعت موقفي السابق ورأيت أن قرار الوزارة في اعتماد معيار الاختبارات التحريرية لقبول المعلمين أمر حضاري جدا. وعندما أقول ذلك فإنني أستند على معرفة بميدان التربية والتعليم حيث عملت معلما لمدة أربع سنوات وموظفا في الوزارة ثلاث سنوات.
ليس المعلمون ملائكة على أية حال (رغم أنهم صفوة المجتمع ونخبته، فهم من يصنعون أي توهج وإبداع في أي بلاد)، فهم بشر مثلهم مثل غيرهم، تتفاوت إمكانياتهم وقدراتهم العلمية والمهنية، وكما تقول القاعدة أن الكثرة ليست علامة جودة بالضرورة، فإن الوزارة عندما تعمد إلى اختيار الأفضل في كل عام فإنها تسعى إلى تجويد العملية التعليمية ومحاولة ترميم ما يترمم بها، ومن ثم يكون الأمر مطلبا حضاريا. وإذا كانت عمان ينتظر أن تخرج مدارسها طلابا على مستوى عال من التعليم والمعرفة، فلا بد لها أن تختار من يعدهم، وتختار لهم المناهج العصرية التي تربي عقولهم على آليات التفكير والبحث عن المعرفة لا أن تحشوها بكمٍ معلوماتي لا يسلم من الخطأ.
في اعتقادي أن أي ولي أمر سيكون حريصا أن يُعلم ابنَه من يتحلى بصفات " المعلم " الحقيقية، سواء كانت أخلاقية وهي موجودة على أية حال، والعلمية، والتي هي محل " الاختبار"، وعايشنا وسمعنا عن أولياء أمور يطالبون بنقل أبنائهم من فصل دراسي إلى آخر وربما من مدرسة إلى أخرى لمجرد أن في ذلك الفصل أو تلك المدرسة معلم مشهود له بالكفاءة.
لكن في هذا السياق، لابد أيضا من وزارة التربية والتعليم أن تتعامل بشفافية أكبر مع الأمر، وعليها أن تطلع كل معلم لم يجتز الاختبار على اختباره، فالشك لا يقتله إلا اليقين، كما عليها أن تكون شفافة إلى أبعد حد في عملية الاختيار دون أي محاباة " ونعتقد أنها تفعل ذلك". وعليها أيضا أن تخضع المعلمين الوافدين لنفس الاختبارات، فالآخر ليس الأفضل دائما، فالتفاوت حاضر في كل مكان وإن كان ثمة تماثل أو تقارب فإن الأولوية لا بد وأن تكون للعماني.
لكن السؤال الجوهري في الأمر، لماذا لم يجتز المعلمون الاختبارات التحريرية، خاصة وأن هناك من يقول إنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى المطلوب، والدليل أنهم استبدلوا بآخرين من الخارج.
لن أستخدم هنا عبارات مقولبة، وجاهزة من تلك التي ترى أن في الأمر فجوة أو هوة، وعلينا أن نبحث عن استراتيجيات لردمها، بل سأقول باطمئنان: إن إعداد أولئك المعلمين هو السبب، إعدادهم في الجامعات والكليات التي تخرجوا منها، وفي المدارس التي أخرجتهم لتلك الكليات، على اعتبار أن جامعاتنا وكلياتنا لا تقبل إلا النخب من الطلاب.
الأمر عائد غالبا إلى ضعف الأنظمة التعليمية التي أعدت هؤلاء المعلمين. فلا يعقل أن معلم لغة إنجليزية لا يستطيع أن يجتاز اختبار "التوفل" أو ما في مستواه، في وقت يناط به تأهيل جيل من الشباب مهمته الرقي بهذا البلد. ولا يعقل أيضا أن معلما للغة العربية لا يفرق بين الاسم والفعل! هذا أمر كارثي وفجائعي، وليس على وزارة التربية أن تعيد تأهيله علميا.
الأمر خطير جدا، ويرتبط بمستقل أجيال متلاحقة. لا يمكن أن نتحدث عن حضارة ورقي وتقدم في أي مكان، بدون أن نتحدث عن عقول متعلمة ومؤهلة التأهيل اللازم. وإذا كانت وزارة التربية قد أحسنت عندما وضعت معيار التنافس للشغل مهنة " معلم" فإن على وزارة التعليم العالي، مراجعة مكمن الخلل في ضعف مستوى الكثير من مخرجاتها، ومراجعة جودة المناهج التي تعتمدها الكليات الخاصة، وأيها يمكن الاعتراف بشهادتها إن كانت من خارج السلطنة ، فالمرحلة القادمة تحتاج التراكم النوعي وليس الكمي.