اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

صوموا تصحوا .. خريجو مدرسة الصيام

Wed, 08 سبتمبر 2010

احمد بن سالم الفلاحي -
أتصور أن هناك سؤالا بديهيا يجب أن نسأله أنفسنا مع وصولنا آخر يومين من شهر الصيام، والحمد لله، وهو بماذا خرجنا من شهر رمضان المبارك؟ قد يكون السؤال مفتوحا في عموميته؛ ذلك أن الإجابة عنه متشعبة في جوانب المكتسبات المختلفة، فهناك المكتسب الاجتماعي، وهناك المكتسب الصحي، وهناك المكتسب الإيماني، وهناك المكتسب المعرفي ويدخل في مفهومه أشياء كثيرة لا تعد ولا تحصى، وهناك مكتسب تراكم الخبرة، ومعايشة الواقع بكل تفاعلاتها، وتناقضاته.
هل خرجنا بكل هذه المكتسبات اليوم، وهل سجلنا صفحة جديدة في أعماقنا يحق أن نفاخر بها مع ذواتنا على الأقل؟ هل اتسعت رقعة الرؤية لأشياء كثيرة في حياتنا انعكاسا لهذه المكتسبات؟ أم أن المسألة لا تزال تراوح مكانها " ... ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش"؟ والى أي حد يمكن القبض على هذه المكتسبات في ظل الدخول من معترك الحياة اليومية التي تنسينا، بل وتجبرنا على نسيان أشياء كثيرة؟ لا اطرح أسئلة للإجابة عنها، ولو أنني محتاج إلى هذه الإجابة على الأقل مع نفسي، حتى احدد مستوى السلوك الذي خرجت به، والذي أدعو الله تعالى أن يعينني على تطبيقه فيما تبقى لي من أيام. فعلى المستوى الاجتماعي سجلت الصورة الاجتماعية سبقا غير عادي في إعادة ترميم العلاقات القائمة بين الناس، وهذا الترميم لم يتم فقط بين جدران المنازل الأربعة، بل تعداه إلى مساحة الحي الكبيرة، وسجلت المساجد فضل السبق بامتياز من خلال احتضانها للأعداد الكبيرة من المصلين، وأتاحت الفرص العديدة للحوارات الجانبية بين المصلين سواء قبل أداء الصلاة، أو بعدها، وقد سجلت النفوس في مبدأ التكافل الاجتماعي نصيبا أكثر واكبر، وذلك من خلال ما بذله الناس في سبيل تخفيف الحاجة عن الفقراء والمساكين، وذوي الحاجة، فالصدقات التي قدمت عن طيب خاطر لا شك أنها أغنت أناس كثيرين عن مذلة السؤال، وأراحت الكثير من النفوس العطشى إلى الود من هموم الحياة وثقل متطلباتها، فغدا مجتمعا تسوده المودة والرضا. وفي الجانب الصحي تعززت الصحة أكثر وأكثر، وذلك من خلال أنشطة عديدة سواء في المجال الرياضي، حيث نشط الناس كثيرا خلال ليالي هذه الشهر نظرا لبرامجه المختلفة عن أشهر الفطر طوال العام، وسواء في مجال العلاج النفسي، والبيولوجي، وأتاحت الفرصة للمعدة بأن تقوم بعمليات الايض على أوسع نطاق، خلال فترة النهار التي أتاح لها النهار الامتداد الزمني الأطول حيث بلغت فيه فترة الصيام إلى أكثر من خمس عشرة ساعة صيام في اليوم. وفي مجال الإيمان هنا المساحة تتسع أكثر وأكثر للجو الإيماني الرائع الذي أرخى سدوله على الناس، فغدت الصورة الإيمانية تتوزع في كل جنبات حياتنا اليومية، حيث عمرت المساجد بعمارها من العباد، والنساك، والقائمين، واحتضن كتاب الله قراءة وتدبرا، وحفظا وتطبيقا، فتهللت الوجوه ببركات الإيمان، وأشرقت النفوس بفضاءاته الممتدة، حيث أصبح الناس، وأضحوا، وأمسوا كمن ولدتهم أمهاتهم. فأي فضل اكبر من ذلك، وأي نعمة من الله على عباده اجل وأسمى من فضائل هذا الشهر الكريم، وأي مدرسة حياة أعمق أثرا من مدرسة شهر الصيام، الذي تكفل الله بمكافأة عباده بنفسه، "فالصوم لي وأنا اجزي به"، فهنيئا لهؤلاء الخريجين جميعهم.