د. اسماعيل الاغبري -
اختار الفرس أهل الحضارة العريقة والأبهة والملك الإسلام، وبقيت طائفة منهم إلى يومنا هذا على المجوسية وعبادة النار لكن حضارة الإسلام اتسعت لهم، ولم تقهرهم.
كانت دمشق عاصمة للدولة الأموية التي شملت أرجاء واسعة من المعمورة، ولم يزل النصارى في الشام إلى يومنا هذا دون أن يكرههم أحد على الإسلام.
كانت بغداد عاصمة الملك العباسي، وقد امتدت الدولة العباسية إلى أقصى بقاع المعمورة، ولم يزل النصارى والصابئة واليهود في بغداد.
آلت الخلافة إلى الترك أو العثمانيين، وامتد سلطانهم قرونا تلو قرون ومع ذلك لم يزل النصارى في اسطنبول وأنقرة.
امتدت الإمبراطورية العمانية إلى مساحات شاسعة من الأرض، شملت آسيا وأفريقيا، وتمكن الأئمة اليعاربة من شرق أفريقيا والهند والسند خاصة أيام الإمامين سلطان بن سيف وسيف بن سلطان، فلم يمارسا عسفا ولا غشما في المناطق المفتوحة، وبقي في أفريقيا أقوام حتى من غير أهل الكتاب، وإنما الدعوة كانت بالحوار لا بالسيف والسنان.
عاش النصارى في عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي في جزيرة سقطرى التابعة آنذاك للإمبراطورية العمانية عيشة آمنة مطمئنة، لم يكرهم على الإسلام، لكنهم نقضوا العهد، وتمردوا على الدولة، وتحالفوا مع بني جلدتهم من نصارى الحبشة، فأعلنوا الثورة على الإمام، فقتلوا الوالي، وسبوا النساء المسلمات، ولذلك تدخل الإمام، لتحرير المسلمات، وتسكين الثورة، وتأديب الثوار، وإعادة الأمن والسلام إلى المنطقة.
إن الذود عن الحوزة، ورفع الظلم، والدفاع عن القيم والمقدسات هو من المحامد، تكفله المواثيق والمعاهدات الدولية، وتنادي به منظمات حقوق الإنسان العالمية والإقليمية، وحقوق المرأة في الإسلام محفوظة، ومكاسبها لا تفريط فيها، وفي الشرع الإسلامي هي عرض، والعرض يذاد عنه، ومنظمات حقوق الإنسان هي امرأة، والاعتداء عليها امتهان لحقوقها.
إن المتتبع لعهد الإمام الصلت الذي ضمته تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان للإمام نور الدين السالمي سيجد رقيا في التعامل مع المخالف في السلم والحرب معا، وسيجد فن التحاور مع الخصم، وأدب القتال.
إن ذلك العهد يحمل وصايا جمة لقادة الجيش بضرورة حماية المسلمين، وعدم معاقبة من لم ينقض العهد من النصارى، وقبول الصلح إن قبل به أهل النقض بشرط تحرير النساء المسلمات، واسترجاع ما سلبه المحارب من أرض المسلمين ، وفي العهد حث على ضرورة الإحسان إلى الأسرى النصارى، وإطعامهم مما يطعم المسلم أهله.
امتد نفوذ السيد سعيد بن سلطان إلى أدغال أفريقيا، وكانت له عاصمتان مسقط في آسيا وزنجبار في أفريقيا، وجمع في إمبراطوريته شعوبا وقبائل شتى، وضمت مملكته أديانا عدة ومذاهب كثيرة إلا أنه وكما يورد المؤرخ سعيد المغيري في جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار استطاع أن يدير دفة الحكم، ويوفق بين الشعوب من غير اضطهاد لأحد، بل مرونة وتسامح.
ليس ذلك بغريب، بل ترسم لخطى سابقة، فالعفو في الحضارة الإسلامية سجية، لكن من غير تفريط في الحقوق والتسامح قيمة كبيرة لكن من غير تمييع للأسس والقيم الإسلامية. عاش النصارى في فلسطين آمنين، وحفظ لهم الخليفة عمر بن الخطاب حقهم، ومنع إيذاءهم.
أما الجانب المادي فإن الحضارة الإسلامية لا تؤمن بهدم آثار من سبق من حصون وفنون وقلاع وبقاع، لم تزل كنيستا المهد والقيامة قائمتين إلى يومنا هذا، وكانتا على مرأى ومسمع من عمر بن الخطاب، ولم تزل آثار الرومان بادية في الشام، وهناك آثار كثيرة في تركيا عاصمة الدولة العثمانية.
لم تزل معابد أهل الأديان المتعددة في بلاد الرافدين شاهدة على تسامح المسلمين.
إن موجات الاضطهاد اليوم ضد المخالف في الدين أو المذهب ليس لها صلة بالإسلام، وإنما سوء فهم ، وتعصب مقيت، وأنصاف متعلمين.