ناصر بن خلفان البادي -
شرع الله تعالى الصوم لغاية عظمى وحكمة جليلة، وهي تحقيق العبودية والخضوع لله تعالى، وتحقيق التقوى التي هي الدرع الحصينة التي تحمي الإنسان والحياة من الشرور والمفاسد، وتحميه من عقاب الله. وقد علل الله تعالى فرض الصوم على عباده بأنه الوصول إلى التقوى، فقال: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُـتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، أي لأجل أن تحققوا التقوى. من أجل ذلك فإنه لا بد للمؤمن الذي يريد الصوم، أن يتبين حقيقته أولا، وأنه ليس مجرد امتناع عن الأكل والشرب والجماع فحسب – كما ترى شريحة من الصائمين -، وإنما صوم التعبد يعني صيام جميع جوارح العبد وحواسه عن كل ما يسخط الله، فيصوم القلب عن شوائب الرياء والغل والحقد والحسد والتكبر والعجب والغرور، ويصوم بتحقيق الإخلاص والتواضع وسلامة الصدر.
ويصوم العقل عن التفكير في الحرام والتخطيط للباطل والفساد، ويصوم بالتفكر في آيات الله المقروءة والمشاهدة، والتفكير في الخير وبذله، والتفكير في الإصلاح والإنتاج.
وتصوم الروح والوجدان عن مشاعر القسوة والغلظة والفضاضة، وتقتصر على تحقيق الرحمة والشفقة والحب والإحسان والإيمان.
وتصوم العين عن النظر إلى الحرام والانطلاق في أسرار الناس وعوراتهم. ويصوم اللسان عن الأذى وقول الزور والكذب والغيبة والنميمة والسب وفاحش القول والترويج للحرام والدعوة إليه. وتصوم الأذن عن سماع الحرام واللغو والمجون.
وتصوم اليد عن الاعتداء على النفوس والأموال، أو كتابة الباطل أو صناعته. وتصوم القدم عن السعي إلى مواطن الرذيلة والفساد.
وهكذا تصوم جميع جوارح العبد عن الغش والسرقة والربا والظلم وما حرمه الله تعالى من الأخلاق السيئة، وتقتصر على طاعة الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعانة الناس، وإقامة الشعائر التعبدية، والإصلاح والصدق والأمانة، والإتقان في الأعمال، والتعاون والتكافل. هذه هي حقيقة الصيام الذي يريده الله تعالى منا. والصوم بهذه الحقيقة يكون أيضا بالليل كما هو بالنهار، فليس من الصواب أن يهدم المسلم بنيان صومه وعبادته التي بناها في النهار بما يأتيه من المعاصي بالليل، فالله تعالى لا يقبل الأعمال إلا من الأتقياء الذين يتقون الله ليلا ونهارا، سرا وإعلانا. والله تعالى قد وضع هذه القاعدة في القرآن الكريم فقال: «إنما يتقبل الله من المتقين» . فالذي يصوم النهار ثم يفطر على المحرمات في الليل لا يمكن أن يكون من المتقين، ولا يمكن أن يكون صيامه إلا كهيكلٍ بلا روح، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» ، وقال: «لا صوم إلا بالكف عن محارم الله» ، أي نفي الصوم وإبطاله بالوقوع في محارم الله ومساخطه.
وهذه الفكرة لا أظن أن المؤمنين العقلاء يختلفون عليها، إذ ليس لله حاجة في تجويعنا وحرماننا من المباحات نهار رمضان بغير غايات كبرى تتحقق من وراء ذلك، غايات مرتبطة بعبوديتنا له وخضوعنا لأمره –جل ذكره-، وهذه الغايات هي الوصول بنا إلى التقوى، وما يستلزمه ذلك من الحرص على الطاعات والحذر من المخالفات.