نادية سعد الدين - صحفية وباحثة:-- يميل الهدوء الحذر والمخادع السائد راهناً في جنوب لبنان إلى التفجر في أية لحظة، إثر العدوان الإسرائيلي الأخير، وسط مناخات تلوح بحرب وشيكة، وحرب استخبارات نشطة بهدف «الاختراق قبل التقويض»، بخاصة في ظل المعطيات والقرائن التي كشف عنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مؤخراً حينما وجه الاتهام إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي باغتيال الرئيس اللبناني رفيق الحريري.
ووجدت الاشتباكات التي دارت مؤخراً بين الجيش اللبناني وقوات الاحتلال عقب عدوان الأخيرة على جنوب لبنان، تأويلات متراوحة بين التمهيد الإسرائيلي لشن الحرب، والردع، بعدما تحولت « شجرة » العديسة إلى شرارة محتملة لعدوان جديد، عقب تعرض القرار الأممي 1701 للخرق الإسرائيلي، واستشهاد أربعة لبنانيين وإصابة خمسة جرحى، مقابل قتل ضابط إسرائيلي وإصابة آخر.
ولم تستقر التحليلات بعد على نطاق وشكل « المغامرة الإسرائيلية المقبلة »، بين الحرب الشاملة أو المحدودة أو الضربات العسكرية التحذيرية، ولكنها تلتقي عند الاعتقاد « بتوترات تتصاعد تحت السطح دون صمام أمن، ومناخات تلوح في أفق المنطقة تشي بتغيير ما، فالحالة المزاجية التي تسبق نشوب الحرب آخذة في التنامي »، ليس في الأجواء اللبنانية فقط وإنما تشمل السورية والإيرانية أيضاً، وفق المعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية (في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية 3/ 8/ 2010).
بينما يبقى قطاع غزة الحلقة الأضعف في أي عدوان جديد تهدد قوات الاحتلال بشنه بصورة أكثر دموية من عدوان 2008/ 2009، لأن الاحتلال يدرك جيداً أن الحرب هنا لن تتطور إلى حرب شاملة، في ظل « غياب أي واقع لأمن قومي عربي مشترك يعتبر العدوان على غزة تهديداً له »، وذلك قياساً بعدوان امتد من السابع والعشرين من (ديسمبر) 2008 حتى الثامن عشر من (يناير) 2009 دون أن يحرك الساكن العربي والدولي الرسمي.
ولأن الاحتلال لم يحقق أهدافه من وراء عدوانه الأخير على غزة، فإنه يعول على إحكام الحصار والتجويع وإغلاق المعابر بهدف تآكل النظام القائم في القطاع وتأليب الشعب عليه تمهيداً لإسقاطه، أو دفع حركة المقاومة الإسلامية « حماس » إلى الرضوخ لشروط إسرائيل في « الاعتراف بها والالتزام بالاتفاقيات الموقعة سابقاً ونبذ ما تسميه بالإرهاب »، محاكاة لشروط اللجنة الدولية الرباعية، وإذا لم تجد تلك الخطة نفعاً فقد يلجأ الاحتلال إلى العدوان مجدداً.
ولا تبتعد الأهداف الإسرائيلية في غزة كثيراً عمّا ترنو إلى تحقيقه في لبنان، حيث القضاء على المقاومة يشكل ديدن التحرك الإسرائيلي الأخير عبر «حشد القوات العسكرية والتهديد بحرب شاملة لن ينجو منها المدنيون أو البنية الأساسية المدنية، إلى جانب احتمال مقلق بأن تتحول إلى حرب إقليمية »، وفق تقرير المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات.
وتتغذى النزعة الإسرائيلية لشن عدوان جديد من الداخل الإسرائيلي بمختلف تياراته اليسارية واليمينية والدينية، وسط تأجيج الحاخامات اليهود له، حيث توقع الحاخام أمنون يتسحاق « نشوب حرب دموية في المنطقة خلال الأسابيع المقبلة »، وذلك بحسب ما ورد في صحيفة معاريف الإسرائيلية عبر موقعها على الإنترنت في 5/ 8/ 2010.
وتؤدي المؤسسة الدينية في الداخل الإسرائيلي هذه الأيام دوراً خطيراً يتماثل مع ما قامت به قبل العدوان على لبنان عام 2006 وعلى غزة 2008/ 2009، من حيث إصدار الفتاوى التي تستبيح دم الشعبين الفلسطيني واللبناني وتأليب الكيان المحتل ضدهما.
ورغم استبعاد حزب الله «شن الاحتلال الإسرائيلي عدواناً على لبنان في المدى المنظور »، ولكن ذلك لا يعني بالنسبة إليه أن «العدو يأمن جانبه » على غرار ما حدث مؤخراً، حيث « كشف العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان عن الطبيعة العدوانية والنية الدائمة للعدو الذي كلما وجد أن لبنان يمكن له أن يتمتع بمناخ تفاهم واستقرار أمني وسياسي، يسعى إلى تفجير الوضع من أجل إحداث مزيد من التوتر على الساحة الداخلية، فيما جاء العدوان بعد القمة العربية التي عقدت مؤخراً في لبنان وعقب مناخ التهدئة التي أعلنتها الأطراف اللبنانية، وبعد تحقيق المزيد من الإنجازات الأمنية للجيش والأجهزة الأمنية والكشف عن المزيد من عملاء إسرائيل، ولكن الجيش اللبناني تصدى ورفض الخضوع للإرادة الإسرائيلية ودافع عن كرامته وكرامة شعبه ووطنه، كما تأكدت وحدة وقوف المقاومة إلى جانب الجيش والشعب لكل من يحاول الضغط على المقاومة والسلاح الذي بات حاجة وضرورة لا يمكن التخلي عنها، فسارعت قوات الاحتلال إلى جعل ما حدث ضمن الإطار الضيق خشية التصعيد الذي قد لا تحتمله ».
وفسر الحزب عدم تدخله « لأنه وضع المقاومة في تصرف قيادة الجيش وكان ينتظر اللحظة التي يطلب فيها الجيش الدعم، باعتباره المبادر وباستطاعته تقدير الموقف، ولكن المقاومة ستكون بالمرصاد ضد أي عدوان إسرائيلي على لبنان، بخاصة وأنه لا مراهنة على قوات اليونيفيل في الدفاع عن لبنان والشعب ».
ولم ينفك قادة الاحتلال على توجيه التهديدات إلى لبنان منذ عدوان 2006، من دون مبارحة ثقل قرار الانسحاب من شريطه الجنوبي في عام 2000، باستثناء مزارع شبعا وكفر شوبا، بلا قيد أو شرط، أمام انتصار المقاومة الوطنية.
وأردفت التحذيرات بالمناورات والغارات والخروقات المتكررة للأراضي اللبنانية، وحظيت بصمت، إن لم يكن بدعم، أمريكي تجسد في تحذير وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون (في مايو الماضي) من « عدم قدرة واشنطن على منع إسرائيل من القيام بأي هجوم ما لم يوقف حزب الله تعزيز ترسانته العسكرية من الأسلحة »، مقابل الاعتقاد بأن مقصد التهديدات توجيه رسالة ردع إلى حزب الله مخافة قيام الأخير بالثأر لاغتيال القيادي العسكري البارز بالحزب عماد مغنية في 12 (فبراير) 2008 بدمشق في تفجير سيارة مفخخة.
ولكن ما حدث مؤخراً دفع بعض الآراء إلى الاعتقاد بأنها عبارة عن بدايات حرب قد تكون طويلة ومتعددة الأطراف، من دون استبعاد ربطه باشتباك إقليمي واسع على مستوى المنطقة، فالعدوان الإسرائيلي على الجيش اللبناني يهدف إلى تحريك الوضع في جنوب لبنان وجره نحو التفجر، بحيث قد يصل إلى سورية وإيران.
وتذهب آراء أخرى للاعتقاد بأن « استهداف سورية في أي عدوان جديد على لبنان ينم عن خشية الاحتلال الإسرائيلي من تكرار فشله في حرب تموز، وتوجيه رسالة متشددة لدمشق لقطع إمداد الحزب بالأسلحة، بينما قد يجد « حزب الله » نفسه في حرب مع إسرائيل في حال هجومها على إيران، وفق رأي مدير المعهد الألماني للشؤون الأمنية والدولية فولكر بيرتس (في السياسة الخارجية الأمريكية 3/8/2010).
ويبقى ثمة تشكك في مدى رغبة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تأجيج الأوضاع في المنطقة وسط جهود الانتقال من المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية غير المباشرة إلى « المباشرة »، رغم أن ذلك الأمر قد يختلف عند الحديث عن إيران التي تكتفي واشنطن حتى اليوم بتشديد العقوبات عليها في ظل « الفيتو » الروسي و(القيد) الصيني، من دون استبعاد ضرب مواقعها النووية تحت الضغوط الإسرائيلية، الأمر الذي جعل بعض المحللين والمراقبين يستبعدون الحرب، فلا إسرائيل ولا المقاومة معنيتان باندلاع الحرب، ولكن حتى الأمور غير المتوقعة والارتجالية لها ديناميكية خاصة قد تؤدي إلى تطور الأمور نحو تصعيد خطير، بخاصة بعدما أعلنت الأطراف عن حرصها على عدم توسيع التوتر وتقويض الحادثة، ومع ذلك فإن كل طرف يعزز من وجوده العسكري ولهذه الأمور خطورتها، بخاصة أن حرب تموز حصلت بعد اختطاف الجنود، أي أن الأمور قد تتطور دون حساب أو قرار مسبق بالحرب، فقد تتطور حوادث انفرادية إلى حرب شاملة.
ويأتي ذلك وسط سجال داخلي إسرائيلي بين الدعوة للتريث تحسباً من الردين السوري والإيراني، والمطالبة بشن الحرب لتقويض قدرات حزب الله العسكرية الآخذة بالتنامي من دون أن يلجمها القرار الأممي 1701، واستعادة هيبة الردع عند جيش الاحتلال التي تضررت في عامي 2000 و 2006 في لبنان، وفي العدوان الأخير على غزة.
ولا يستثنى من استعدادات الاحتلال الإسرائيلي لشن عدوان جديد على لبنان ما يسمى بحرب الاستخبارات النشطة، في ظل اعتقال السلطات اللبنانية للعشرات من المتهمين بالتجسس لمصلحة إسرائيل خلال العامين الماضيين، والذين يحتلون مواقع حساسة في الحكومة والجيش، وكان آخرها اعتقال القيادي في التيار الوطني الحر فايز كرم، رغم أن «حزب الله ليس هدفاً من السهل اختراقه»، بحسب قول الخبير الإسرائيلي في الشؤون الاستخباراتية افرايم كام الوارد في صحيفة هآرتس عبر موقعها على الإنترنت في 5/ 8/ 2010.
بينما تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلي اللعب دوماً على وتر قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان التي تتعرض حالياً إلى تجاذبات حادة بين الداعين لمنحهم الحقوق المدنية والإنسانية، والرافضين لها تذرعاً « بفزاعة التوطين »، وذلك لجهة تغذية الصراعات الداخلية اللبنانية والتركيز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لأوضاعهم البائسة في مخيماتها، التي تضم قرابة 200 ألف لاجئ، من إجمالي نحو 417 ألف لاجئ فلسطيني موجودين على أراضيها، وفق تقديرات وكالة الغوث الدولية (الأونروا).