اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

مأساة تهجير بدو النقب في فلسطين في ظل التقاعس العربي

الاثنين, 06 سبتمبر 2010

تقع منطقة النقب الصحراوية في جنوب فلسطين المحتلة، وتسكنها منذ مئات السنين قبائل عربية ذات روابط تاريخية وعائلية وثيقة بعدد من القبائل الأردنية والسعودية وغيرها. وتشير بعض الدراسات العلمية إلى أن مساحة منطقة النقب تبلغ قرابة نصف مساحة فلسطين التاريخية التي تقدر بحوالي 27.9 ألف كيلومتر مربع. وبما أن نسبة الولادات مرتفعة بين بدو فلسطين،ارتفع عددهم من قرابة خمسة عشر ألفا في العام 1948 إلى قرابة 165 الفا في عام 2010، يمثلون حوالي 12% من إجمالي عرب فلسطين. كما أن نسبة الوفيات في صفوف أطفال البدو مرتفعة،وقد تجاوزت 15 بالألف في العام 2006 مقارنة بنسبة 3 بالألف في صفوف الأطفال الإسرائيليين. وذلك مؤشر على السياسة غير الإنسانية التي تمارسها اسرائيل ضد الأقلية البدوية في صحراء النقب بشكل خاص، وضد الجماعة العربية في فلسطين المحتلة بشكل عام.
منذ السنوات الأولى لقيام دولة إسرائيل اعتمدت حكومتها سياسة مبرمجة وطويلة الأمد للسيطرة المباشرة على أراضي بدو النقب، وبناء ثكنات عسكرية إسرائيلية ومزارع حكومية وخاصة على أراضيها الزراعية الخصبة .نتيجة لذلك تعرض بدو النقب لكل أشكال القمع والاضطهاد والتعسف الاسرائيلي، كهدم البيوت، واقتلاع الخيام، ومصادرة المواشي، والحرمان من المياه، ومصادرة الأراضي بموجب قانون جائر جعل جميع أراضي القبائل غير المملوكة ملكا خاصا بموجب أوراق ثبوتية، ملكا للدولة الإسرائيلية. كانت حكومات إسرائيل المتعاقبة تتخوف من النمو الديموغرافي الكبير لبدو النقب الذين يتوالدون بكثرة وبمعدل وسطي قرابة ثمانية أولاد لكل أب منهم .مما اعتبرته إسرائيل خطرا كبيرا على بنيتها السكانية . فمارست الترهيب لإجبار البدو على تحد الإنجاب. لذلك لجأ قسم كبير منهم إلى كتمان عدد من أولادهم خوفا من الانتقام وكانت النتيجة أن حكومة إسرائيل لا تعترف اليوم بأكثر من نصف سكان البدو المقيمين حاليا في صحراء النقب.وهم مصرون على البقاء في ديارهم، ومنتشرون في خمس وأربعين قرية،ويعانون كل أشكال التهميش وطمس الهوية. وزادت حدة القمع في السنوات الخمس الماضية بوتيرة كبيرة جدا مع استقدام عشرات آلاف المستوطنين الجدد، خاصة من روسيا. فحسب إحصاءات وزارة الداخلية في إسرائيل،ارتفع عدد عمليات هدم المنازل والخيام التي قام بها جيشها ضد بدو النقب من 143 عملية في العام 2005 إلى 367 عملية في عام 2006. وبتاريخ 27 يوليو 2010 هاجمت القوات الإسرائيلية قرية العراقيب في منطقة النقب وهدمت منازل البدو، واقتلعت الخيام والأشجار، وتركت السكان في العراء. وحملت مولدات الكهرباء، وصادرت السيارات والجرارات وجميع وسائل النقل والزراعة، ولم تبق أثرا للقرية تحت ذريعة أن بيوتها قد بنيت دون ترخيص من الحكومة الإسرائيلية.
وسبق لهذه القرية وغيرها من قرى البدو في النقب أن تعرضت مرارا للتدمير بعد أن رشت أراضيها الزراعية بالمبيدات السامة من الجو. وهي سابقة خطيرة أن تباد معالم الحياة في قرية أو عدة قرى بدوية، ويتهدد مصير أكثر من مائة وستين ألف نسمة من البدو المنتشرين في خمس وأربعين قرية معرضة للهدم والجرف والتدمير الكامل دون أن تتحرك أي منظمة عالمية من منظمات حقوق الإنسان.
وكشفت الإحصائيات الأخيرة حجم المأساة التي تعرض له بدو النقب .فقد كانوا يتنقلون في منطقة تزيد على سبعة ملايين دونم، ومنهم من يضاعف تقريبا هذا الرقم لحجم الأراضي التي كانت تسمى أراضي البدو، وذلك وفق التقسيمات العثمانية القديمة.إلا أن ملكيتهم الحالية تقدر بحوالي الثلاثمائة ألف دونم، وهي عرضة للمصادرة في أية لحظة. وقد أحس بدو النقب بالخطر الشديد المحدق بهم، فشكلوا جمعيات خاصة تنسق مع اللجنة العربية للدفاع عن حقوق بدو النقب في فلسطين. وبدأوا حملة لجمع التبرعات من أجل بناء مساكن اصطناعية لإيواء الأطفال والنساء والشيوخ، وتأمين بعض عناصر الصمود لبدو فلسطين على أراضيهم. ويعاني الآن أكثر من خمسة وثمانين ألف بدوي من أوضاع صعبة في جميع قراهم بسبب الارتفاع المخيف في حجم البطالة، والفقر، والأمية، وعدم اعتراف اسرائيل بوجود نسبة كبيرة منهم. وهي مستمرة بهدم منازل البدو وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة. فتنعدم الخدمات الأساسية كالكهرباء والصحة والتعليم والصرف الصحي في كثير من قراهم. وذلك يتطلب توجيه الأنظار إلى النقاط الأساسية التالية:
1- ترفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف أصلا بأن صحراء النقب هي أراض تاريخية لبدو فلسطين، وتعتبر ملكيتها لدولة إسرائيل بصفتها « الوريث الشرعي » للسلطنة العثمانية.
2- وتنكر على نسبة كبيرة من بدو النقب صفة مواطنين إسرائيليين لهم الحد الأدنى من الحقوق على أرض يعيشون عليها منذ مئات السنين. وهي تعمل على تهجيرهم بالقوة عنها لإسكان مستوطنين يهود من مختلف دول العالم.
3- وترفض الاعتراف بوجود أكثر من نصف العدد المعلن لبدو فلسطين البالغ عددهم قرابة مائة وستين ألف نسمة. وهم يمثلون اليوم قرابة 25% فقط من سكان شمال النقب بعد أن هجرت السلطات الاسرائيلية عددا كبيرا منهم إلى الأردن والسعودية بعد نكبة 1948. ثم كثفت عملية الاستيطان الصهيوني في منطقة النقب منذ العام 1970 حتى بات عدد المستوطنين اليوم يفوق ثلاث مرات عدد السكان الأصليين في صحراء النقب.
4- منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين تبنى وزير الزراعة الإسرائيلي أرييل شارون سياسة بناء المحميات الطبيعية في منطقة النقب . فأزيل أكثر من تسعمائة مخيم للبدو في صحراء النقب خلال فترة قصيرة، وخفضت قطعان الماشية بنسبة كبيرة لإجبار بدو النقب على التخلي عن أراضيهم التي توارثوها منذ قرون طويلة.
5- في العقدين الأخيرين أنشأت دولة إسرائيل أكثر من ستين مزرعة يهودية جديدة في منطقة النقب، ومدت إليها الطرقات المعبدة، وجرى ربطها بشبكات الكهرباء والمياه، وأعطت أصحابها من المستوطنين الجدد حق التملك والبناء على أراض ليست لهم. بالمقابل، تشددت حكومة إسرائيل بطرد السكان البدو الأصليين بذريعة عدم وجود وثائق ملكية لديهم للأراضي التي عاشوا عليها منذ قرون وورثوها عن آبائهم وأجدادهم.
6- تحارب إسرائيل بشدة بدو فلسطين لأن نسبة كبيرة منهم تمنعت عن الانخراط في الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وهي تتخوف من تزايد أعدادهم داخل إسرائيل، وتشكك في ولائهم للدولة العبرية.
7- تقلصت حاليا مساحة المنطقة المأهولة بالبدو العرب أصحاب الأرض الأصليين في صحراء النقب إلى أقل من ثلاثمائة ألف دونم من أصل مساحة كانت تحت سيطرتهم في صحراء النقب تقدر بأكثر من عشرين مرة.
8- استخدمت حكومات إسرائيل المتعاقبة شرعة القوي الذي يسيطر على الضعيف بكل وسائل الترهيب المعروفة، كالقمع، والتعسف، والتهجير، ومصادرة الأراضي، وطرد السكان، والحصار الاقتصادي، والتجويع، والإفقار، والأمية، والتصحر، والحرمان من حقوق المواطنة، وعدم احترام أبسط حقوق الإنسان المنصوص عليها في الشرائع الدولية. لذلك يفتقر بدو النقب اليوم إلى كل أشكال الحماية والرعاية الطبية والاجتماعية باستثناء ما يحصلون عليه من منظمات دولية وغير حكومية، عربية ودولية. وهم يتلقون بعض المساعدات من جمعيات تعنى بحقوق الانسان، وجمعية أطباء بلا حدود وغيرها من المنظمات التي تساعد بدو فلسطين بعد الحصول على إذن خطي بموجب التماس يقدم إلى المحكمة العليا في إسرائيل.
ختاما، في ظل التقاعس العربي المتمادي على جميع الصعد، تحولت صحراء النقب إلى مراكز عسكرية لبناء معسكرات، ومصانع حربية، ومطارات إسرائيلية، وأماكن لتخزين أسلحة نووية لم تعد تهدد بدو فلسطين وسكانها العرب فقط بل جميع دول وشعوب منطقة الشرق الأوسط بأكملها ومعها أمن وسلام العالم.