من المؤكد أن الحسابات اختلفت بعد أن دشنت إيران محطتها النووية الأولى في بوشهر وبات الشرق الأوسط أمام خيارات جديدة بعد أن دخل متغيرا مهما وهو إيران النووية الرسمية على موازين القوى في المشهد المرتبك شديد الفوضى والمعقد أكثر من أي وقت مضى.
فإذا كانت مواقف الأطراف في الصراع على الملف النووي الإيراني قد وجدت عبر المفاوضات مع إيران فسحة من الوقت لتسوية سياسية تبعد شبح اللجوء إلى بدائل أخرى لحسم الجدل حول البرنامج النووي الإيراني فإن الوضع أصبح الآن على الأقل من الناحية العملية واقعا جديدا حيث وضعت إيران قدمها الأولى في النادي الذري حتى وإن كان مفاعل بوشهر لن يجعلها أقرب إلى صنع قنبلة نووية لأن روسيا ستمدها باليورانيوم المخصب للمفاعل ثم ستتسلم منها الوقود المستنفد ..
لكن تبقى المخاوف من إمكانية سحب هذا الوقود المستخدم وإعادة استخدامه لصنع البلوتونيوم الذى يدخل في صنع القنابل الذرية في ظل أزمة عدم الثقة بين الغرب وإيران على الرغم من وجود خبراء ومفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تشرف على محطة بوشهر بما يشكل ضمانات دولية بجانب التعهدات الروسية في هذا المجال حيث أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف في موسكو إنه من المضمون أن هذه المحطة ستستخدم فقط لأهداف مدنية مائة في المائة.
ومع أن ذلك لم يحدث طوال الخمسين عام الماضية أن قام أحد باستخدام وقود محطة نووية خاضعة لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصنع قنابل الإ أنه الخوف دائما من العفريت..!!
إن مجرد إلقاء نظرة على مواقف هذه الأطراف يكشف عن التعقيد الذي طرأ على الملف بعد بوشهر.
فإيران المنتشية بمحطتها الجديدة التي كلفتها مليار دولار على الرغم من العقوبات الدولية التي تستهدف البرنامج النووي قد اكتسبت قوة دفع لا يمكن معها أن تتراجع عن المضي قدما في هذا البرنامج بعد أن أصبحت على بعد خطوة واحدة من توصيل المحطة بشبكتها الكهربائية وإضافة الف ميجا واط لرصيدها من الطاقة ..
والواقع أن إيران تلعب على أربع أوراق تعتقد أنها بحوزتها لضمان تحقيق أهدافها في الاستمرار في إدارة الأزمة مع الغرب وتوجيه بوصلتها نحو مصالحها بدون متاعب كثيرة أو على الأقل تستطيع تحملها.
الورقة الأولى التأكيد على رغبتها واستعدادها للعودة إلى المحادثات مع الغرب حول خطة لمبادلة مواد نووية بوقود دون شروط.
الرسالة مررها الرئيس أحمدي نجاد عبر مقابلة مع صحيفة يوميوري شيمبون اليابانية قال فيها إن إيران كانت منفتحة لاستئناف المحادثات في أواخر أغسطس أو أوائل سبتمبر مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا.
لقد حاول نجاد أن يبقي على شعرة معاوية مع الغرب بإبقاء باب المفاوضات مفتوحا ولم يحاول غلقه أبدا في أي وقت من الأوقات بل قدم في المقابلة مع الصحيفة اليابانية إشارة مهمة تعتبر استجابة إلى حد ما لمطالب وشروط الغرب في مسألة تخصيب اليورانيوم بالوعد بوقف التخصيب إلى درجة نقاء 20% إذا ضمنت إيران الحصول على إمدادات الوقود ..
وحتى إذا كانت هذه مناورة ذكية من نجاد في محاولة لإحياء الاتفاق الذي تم برعاية تركيا والبرازيل لإرسال إيران كمية من اليورانيوم المنخفض التخصيب إلى الخارج مقابل حصولها على وقود نووي لمفاعل في طهران ينتج نظائر مشعة للأغراض الطبية فإنها تكشف عن ورقة مهمة أخرى تحاول إيران الضغط بها على الغرب وهي الاستمرار في برنامج التخصيب الذي ارتفعت نسبته من 5% إلى 20 % درجة نقاء وهو ما يصيب المخاوف الحقيقية للغرب من نجاح إيران في تحقيق تقدم كبير في مجال تخصيب اليورانيوم يجعلها تمتلك الوقود النووي وقتها يكون الوقت متأخرا جدا للسيطرة على البرنامج النووي الإيراني.
إيران تلعب أيضا على المتاعب الأمريكية في العراق وأفغانستان فالولايات المتحدة من المفترض أن تتم انسحابها النهائي بنهاية العام القادم وهي بتصور طهران تحتاج إلى مساعدة إيران في تحقيق انسحاب بالدرجة الأولى دون مشكلات والثانية دعم العملية السياسية العراقية على المدى القريب بالضغط على مختلف الفرقاء السياسيين في مختلف القوى السياسية العراقية لتشكيل حكومة وحدة وطنية وعلى المدى البعيد المساعدة في استمرار الديمقراطية في العراق.
كما أن الولايات المتحدة تعاني من تراجع في أفغانستان بصورة جعلت من الشهور الأخيرة من أسوء الفترات التي منيت فيها القوات الأمريكية والغربية عموما بخسائر كبيرة في صفوفها وتخشى الولايات المتحدة أن تستثمر إيران حالة التراجع غير المسبوقة لها في أفغانستان لفتح حدودها مع أفغانستان لدعم مقاتلي طالبان ..
لذلك ترى إيران أن الوقت مناسب جدا وكذلك الفرصة مواتية لاستئناف المفاوضات خاصة وأن طهران تعتقد بشكل كبير في موقف الرئيس أوباما في كبح الضغوط التي تمارسها سواء المؤسسة العسكرية الأمريكية أو إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية خاصة وأن الرئيس أوباما رعى افتتاح المفاوضات المباشرة على المسار الفلسطيني الإسرائيلي ويريد أن يحقق إنجازا ما في ملف السلام في الشرق الأوسط وأي خروج على النص بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية سيضر كثيرا وفق الحسابات الإيرانية هذه الجهود.. لكن ما يؤرق الإيرانيين ليست العقوبات فهذه أمرها سهل ويمكن أن تتحملها أو تتأقلم معها حتى ولو كانت مؤثرة في قطاعات مهمة مثل قطاع الكهرباء والنفط والغاز وهي في الأخير مؤقتة ويمكن أن تجد لها مخرجا سواء من شركائها السياسيين الصين وروسيا وهناك مصالح كبيرة لهما مع طهران لا تسمح بتجاوز العقوبات الخط الأحمر الذي يمكن أن يخنق شريكهما الاقتصادي حيث لا يمكن تجاهل المصالح الروسية الإيرانية في آسيا الوسطى وبحر قزوين ولا المصالح الصينية الإيرانية خاصة في مجال الغاز الذي تعول إيران كثيرا على التقنيات الصينية في تطوير تكنولوجيا متقدمة لتسييل احتياطيات إيران الضخمة من الغاز الطبيعي حيث تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطيات للغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا .
وتقف العقوبات التجارية الأمريكية حائلا أمام تطوير تلك الاحتياطيات ..
فالباب مسدود امام الإيرانيين بالنسبة لاستيراد تكنولوجيا تسييل الغاز الطبيعي من شركة سيمنس الألمانية التي تملك البراءة الوحيدة لمثل تلك التكنولوجيا ونفس الأمر بالنسبة لشركة جنرال الكتريك التي لا تستطيع بالفعل التعامل مع إيران بموجب القوانين الأمريكية..
وبالتالي تعرف إيران مسبقا أن العقوبات يمكن تجاوزها في وقت ما من خلال ترجيح كفة المصالح مع شركائها الرئيسيين الصين وروسيا والأخيرة رغم حملة الانتقادات اللاذعة التي شنتها إيران عليها لاشتراكها في تمرير العقوبات الجديدة أوفت بالتزاماتها تماما إزاء تشغيل محطة بوشهر وتزيدها بالوقود النووي اللازم ..
ما يؤرق الإيرانيين هو احتمال تعرضها لهجوم على منشآتها النووية خاصة وأن إسرائيل التي أعربت عن استيائها بإمداد روسيا مفاعل إيراني بالوقود وتشغيله أعلنت في مناسبات مختلفة انه إذا امتلكت إيران سلاحا نوويا فهذا يعني تهديدا لوجودها مما يثير المخاوف من احتمال قيامها بمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية وهي مخاوف قائمة وحقيقية ..
والواقع أن محطة بوشهر وإن كانت ضمن الأهداف المحتملة لأي هجوم على المنشآت الإيرانية الإ أن هناك أربعة مواقع رئيسية على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية هي مصدر خوف إيران وهدف لأي هجوم قادم هذه الأهداف هي منشآت وسائل تخصيب اليورانيوم في نطنز وقم وقسم تخزين الغاز في أصفهان ومفاعل المياه الثقيلة في آراك يأتي بعدها في الأهمية مفاعل المياه الخفيفة في بوشهر والذي بإمكانه انتاج بلاتونيوم عندما يستكمل..
هذه المخاوف هي التي تجعل الحسابات معقدة لدى كل أطراف الصراع في الملف النووي الإيراني .
حالة الخوف من حدوث خطأ ما في الحسابات لدى أحد أطراف الصراع وخاصة من جانب إسرائيل كفيلة بقلب الطاولة في الشرق الأوسط خاصة وأن صحيفة مثل التايمز البريطانية كانت قد تحدثت مؤخرا عن خطط إسرائيلية جاهزة لمهاجمة المنشآت النووية فإذا كان مفاعل بوشهر قادرا على العمل الان بعد تشغيله فهل يعني ذلك أن إسرائيل قد تكون على وشك التحرك أم أن هناك حسابات أخرى لا تسمح بأي خطأ ولو كان بسيطا .
مرة أخرى هي حسابات معقدة جدا وتحتاج إلى قرار صعب كما أن تداعياته ونتائجه خطيرة .