اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

إسرائيل في مواجهة مصادر تهديد جديدة

Sun, 05 سبتمبر 2010

ماجد كيالي كاتب فلسطيني -
لعقود عديدة ظلت إسرائيل تعتقد بأن الخطر الأكبر عليها إنما ينجم عن العداء العربي لها، وعدم الاعتراف بها، كدولة من دول المنطقة، ولذلك فهي أعدت جيشها، وقدراتها العسكرية، بالقدر الذي يمكنها من مواجهة عدة جيوش عربية؛ كما أنها احتفظت بقدرة الردع، بامتلاكها احتكار ما يسمى «سلاح يوم الآخرة»، أي القنبلة النووية. وفيما بعد توسع مفهوم مصادر التهديد لإسرائيل لتضاف إليه المقاومة الفلسطينية المسلحة، بعد ظهورها (في الخارج) في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وإلى خروج قواتها من لبنان؛ بفعل الاجتياح الإسرائيلي له (1982).
مع اندلاع الانتفاضة الشعبية الأولى (1987ـ1993) ظهر أمام إسرائيل مصدر تهديد آخر، ومختلف، يتمثل في فلسطينيي الأراضي المحتلة (1967)، الذين يرفضون الاحتلال، ويقاومونه بالحجارة وبوسائل العصيان المدني، بحيث وجدت إسرائيل نفسها أمام مصادر تهديد غير تقليدية، وغير عسكرية، بمعنى أنه ليس ثمة جيوش، ولا من يستخدم السلاح، في محاربتها. وحينها رأت إسرائيل بأن هذا الوضع يضع جيشها في مواجهات غير مألوفة، ويظهره أمام الرأي العام العالمي كمن يقتل الأطفال والنساء والشيوخ العزل من السلاح، ما يكشفها على طبيعتها، كدولة استعمارية وعنصرية تستخدم القوة للسيطرة على شعب آخر؛ وهذا ماحصل.
أيضا، وخلال مواجهات الانتفاضة الأولى وجدت إسرائيل نفسها فجأة في مواجهة نوع من سلاح سلبي، أطلقت عليه لقب «القنبلة الديمغرافية»، أو الخطر الديمغرافي، ويتمثل في وجود أكثر من مليوني فلسطيني (حينها) في الضفة والقطاع. وحينها رأت إسرائيل بأن هذا الواقع يهدد بتقويض إمكانية تحولها إلى دولة يهودية خالصة، ويهدد بتحولها إلى دولة ثنائية القومية بقوة الواقع، وليس بقوة القانون. وقد تعاملت إسرائيل مع هذا الأمر باعتباره أحد مصادر التهديد التي تواجهها، بل إنها سخّرت مراكز أبحاث عديدة، وضمنها «مركز المناعة القومية» في هرتسليا، الذي ينظم مؤتمرات سنوية، لدراسة سبل مواجهة إسرائيل لهذا التحدي. ومشكلة إسرائيل أن التهديد الديمغرافي لا تستطيع إزاءه شيئا، بالمعنى المباشر، وأن هذا التهديد يضعها أمام واقع انكشافها على شكل دولة عنصرية، أو تحولها إلى دولة «ثنائية القومية» بقوة الدستور والقانون؛ وهما أمران تحاول إسرائيل التهرب منهما بطريقة أو بأخرى.
ومنذ حدث الهجوم الإرهابي في نيويورك وواشنطن (11 سبتمبر 2001)، وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة مصدر تهديد آخر يتمثل بخطر تنامي الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تنتهج العنف، والتي استهدفت مصالح إسرائيلية في العالم، من ضمنها كينيا وأندونيسيا والأرجنتين.
وبعد احتلال العراق (2003) برزت إيران بوصفها أحد أهم مصادر التهديد لإسرائيل، بسبب تزايد نفوذها في العراق، ثم بسبب دعمها لمنظمات المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، ولا سيما بسبب سعيها الحثيث لتملك الطاقة النووية ، كما يعتقد الغرب.
وفي الخلاصة فإن الأمور، بالنسبة لمصادر تهديد إسرائيل، لم تقف عند هذا الحد فثمة الآن مصدر تهديد آخر، لايقل عن مصادر التهديد المذكورة آنفا، وهو الرأي العام العالمي. فبنتيجة سياسات إسرائيل المتعنتة واستخدامها القوة المفرطة ضد الفلسطينيين في الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي حربها على غزة، باتت إسرائيل مكشوفة تماما، كدولة استعمارية وعنصرية وقهرية؛ وهذا ما تم التعبير عنه، مثلا، في مقررات مؤتمر ديربان (2001) في جنوبي إفريقيا، وفي تحول الرأي العام الغربي نحو التعاطف مع الفلسطينيين، وفي موقف الحكومات الغربية (وضمنها الإدارة الأمريكية، الممانع للأنشطة الاستيطانية، والمطالب بإقامة دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 (الضفة والقطاع)، وأخيرا في تقرير لجنة غولدستون، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
ويمكن أن نضيف مصدر تهديد آخر لإسرائيل يتمثل باختفاء الإطار الإقليمي المؤيد لها، أي اختفاء الأنظمة الحليفة لإسرائيل، التي كانت بمكانة طوق لدول «الطوق» العربية (وكانت تتمثل بإثيوبيا وإيران وتركيا). فبعد سقوط نظام الشاه في إيران، قبل ثلاثة عقود، ها هي تركيا تنتقل من دائرة التحالف مع إسرائيل إلى دائرة المناهضة لها، لاسيما بعد حرب غزة، وبعد أزمة قافلة أسطول الحرية.
ونتيجة لكل ذلك ثمة في إسرائيل من يرى بأن خطر تآكل مكانة إسرائيل، أو ما يسمى خطر نزع الشرعية عن إسرائيل، والخطر الديمغرافي هما أهم من خطر تملك إيران قنبلة نووية، بحسب شلومو غازيت (رئيس سابق لجهاز الاستخبارات العسكرية «أمان»). وعند غازيت فإن الخطر الأول، يضع إسرائيل وسط «عملية مشابهة لتلك التي اجتازها النظام الأبيض في جنوب إفريقيا وأدت إلى انهياره قبل ثلاثين سنة.»..أما بالنسبة للخطر الثاني (الديمغرافي)، فيقول غازيت: «في ظل غياب حل سياسي يفصل دولة إسرائيل ذات أغلبية يهودية متماسكة عن الكتلة العربية – الفلسطينية التي بين البحر والنهر، فإننا نتقدم بعيون مفتوحة نحو قيام «دولة كل مواطنيها، نحو دولة ثنائية القومية». («معاريف»،22/10/2009) ويوافق غابي سيبوني (رئيس مشروع الأبحاث العسكرية في معهد دراسات الأمن القومي) على استنتاجات غازيت، وبحسب رأيه فقد «نشأ في السنوات الأخيرة..تهديد جديد، جوهره: محاولات التنظيمات المؤيدة للعرب إضعاف شرعية إسرائيل ككيان سياسي..هذا التهديد مغاير من حيث الجوهر بالمقارنة مع التهديدات السابقة - مميزاته ليست مادية وساحة العمل هي دول العالم ومواطنيها..صناع القرار في حكومة إسرائيل ملزمون بالإدراك بأن الهجمات التي تشن على شرعية إسرائيل السياسية ليست تنقيطا بسيطا ورذاذا خفيفا وإنما طوفانا حقيقيا يتعاظم». («هآرتس» 30/9/2009)
هكذا، ثمة تحديات يصعب على إسرائيل التعامل المباشر معها، كونها اعتادت على انتهاج سياسة غطرسة القوة، وعلى مواجهة مصادر التهديد لها بوسائل القوة العسكرية. لكن ماذا بوسع إسرائيل أن تعمله بجيشها وطائراتها ودباباتها، وبسلاحها النووي، إزاء الكتلة البشرية الفلسطينية الكبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإزاء تعاطف الرأي العام العالمي مع الفلسطينيين؟ ولإسرائيل أن تتخيّل كم أن وضعها سيكون صعبا في حال تضافر مع العاملين المذكورين، حالة فلسطينية وعربية ودولية أفضل وأكثر فاعلية.