د. عبدالعاطي محمد -
رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي -
على غير المنتظر يمثل انسحاب القوات الأمريكية ذات المهام القتالية من العراق تحديا وليس فرصة لكل من الحكومة والمعارضة وجماعات المقاومة المختلفة. فعلى الرغم من أن خطوة كهذه تعني زوال الاحتلال بكل ما يتيحه هذا من فرص أوسع للحركة أمام أي من الأطراف الثلاثة، إلا أن ضعف القدرات لكل منهم من ناحية والفشل الذي أصاب العملية السياسية في البلاد من ناحية اخرى يؤشر الى القول بأن كل طرف لن يتمكن من أن يجني المكاسب السياسية المنشودة بالنسبة له من وراء قرار الانسحاب، بل الأرجح أنه سيتعرض لتحديات تضعف من نفوذه السياسي. وبالمقابل فإن الولايات المتحدة في ظل إدارة أوباما تكون قد حققت بعض المكاسب السياسية من قرار الانسحاب تعزز مكانتها داخلياً وخارجياً دون أن تفقد القدرة على العودة مرة اخرى العراق إذا اقتضت الحاجة.
كان نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي هو أكثر الأطراف العراقية صراحة في التعبير عن السعادة بالخطوة الأمريكية حيث وصف الانسحاب بأنه اليوم الذي استعاد فيه العراق استقلاله وأكد أيضاً أن العلاقة بين واشنطن وبغداد أصبحت من الآن فصاعداً متكافئة. ويفهم من كلام المالكي أن العراق قد تحرر من الاحتلال وأن سيادته قد اكتملت وأن الحكم الجديد على مستوى مسؤولية تولي مرحلة الاستقلال وإلا ما كان للقوات الأمريكية أن تنهي عملياتها القتالية. ولكن الواقع يقول غير ذلك بكل تأكيد، فمن الصحيح أن القوات الأجنبية اختفى وجودها من المدن العراقية ولكن سيبقى 50 ألف جندي أمريكي مقاتل يرابطون في عدد من القواعد خارج المدن العراقية وإذا قيل إن هذه القوات المتبقية مهمتها تقديم المساندة والمشورة للقوات العراقية فإن ضخامة العدد بهذا النحو من ناحية والمعنى الفضفاض لكلمة المساندة من ناحية أخرى يعنيان أن هذه القوات تواصل نفس الدور تقريباً الذي كان قائماً منذ الغزو عام 2003، أي أن ظلال الوجود الامريكي لا تزال قائمة في العراق . ومن جهة اخرى تتولى الولايات المتحدة توفير ما بين المئات من رجال الأمن عبر الشركات الأمنية المتخصصة للمساعدة في حفظ الأمن خلال الفترة المقبلة، وهذا العدد الضخم والشركات الأمريكية التي ستتولى توفيره يعنيان أن الدور الأمريكي في توفير الأمن للحكومة الحالية والمنتظرة لن ينقطع بما يعنيه ذلك من ان الكلام عن زوال الاحتلال يصبح مسألة نسبية خصوصاً أن الحديث عن ضمان ولاء هذه القوات (المرتزقة) غالباً ما يكون موضع شك. وفي هذا الإطار قال المالكي إن القوات الأمنية العراقية جاهزة وقادرة على ملء الفراغ الذي تتركه القوات المقاتلة الأمريكية، ولكن الشواهد الميدانية أكدت عكس ذلك حيث تعرضت القوات الأمريكية والعراقية لهجمات عديدة من جماعات المقاومة وتنظيم القاعدة ووقعت خسائر جسيمة في صفوف المدنيين العراقيين وكذلك على جانب كل من هذه القوات. وما يتجنب المالكي قوله هو أن الأمن العراقي أصبح في قبضة الجماعات المسلحة المنضوية تحت لواء كل جماعة سياسية في العراق ، فلا يجري الدفاع عن البلاد بالطريقة النظامية المعتادة في كل البلاد الاخرى وإنما الأمر متروك في الحقيقة لمثل هذه الجماعات المسلحة. وإمعاناً في تسييس القضية الأمنية فإن القوات النظامية العراقية الحالية خضعت للانتقائية السياسية الطائفية مما أدى الى أزمة ثقة في نيات وقدرات هذه القوات. وليس صحيحاً أن العلاقة بين واشنطن وبغداد قد أصبحت متكافئة بقرار الانسحاب لأن القوات الأمريكية ستبقى كما سبق القول بنحو 50 ألف جندي ولأن بغداد لا تستطيع – بحكم الاتفاقية – إجبار واشنطن على سحب هذه القوات المتبقية ومن جهة اخرى فإن العراق لا يزل تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أي انه خاضع لعقوبات ولا يستطيع بالطبع أن يتمتع بكامل سيادته، وإن أراد فإنه يحتاج الى جهد دولي مؤثر تلعب فيه الولايات المتحدة الدور الرئيسي وذلك حتى يتم إخراج العراق من عقوبات الفصل السابع. ولا يستطيع العراق حالياً أن يجبر واشنطن على القيام بهذه المهمة لأنها لم تحسم أجندتها السياسية تجاه العراق والمنطقة بعد لا على الصعيد السياسي ولا العسكري .
وإذا كان ما سبق يضعف أو يحد من قدرات الحكومة الحالية على الاستفادة من خطوة الانسحاب الأمريكي بما يؤدي الى تعزيز موقفها السياسي في البلاد تجاه المعارضة والمقاومة، فإن طرفي المثلث الآخرين ليسا أفضل حالاً، فالمعارضة مشغولة بالصراع على اقتسام المناصب في التشكيلة الحكومية التي طال انتظارها، وكثير من رجالها كانوا قد اعترضوا منذ نحو عامين على الاتفاقية الخاصة بسحب القوات (الانتهاء في 2011) لأنها تضمنت قيودا عديدة بالنسبة للعراق، ورغم ذلك فإن المعارضة لم تستطع تعديل هذه الاتفاقية وقبلت بالأمر الواقع، وهذا يعني أن المعارضة لن تدخل في صدام مع الحكومة الحالية على خلفية الاستفادة من الانسحاب الأمريكي حيث من الواضح أنها لا تهتم بالقضية وإنما تهتم فقط بكل ما يحسن فرص حصولها على نصيب في تشكيلة الحكومة. وأما المقاومة فإذا استثنينا تنظيم القاعدة والجماعات المتعاطفة معها باعتبارهم يباشرون العنف ضد القوات الأمريكية والحكومية، خدمة لأجندات غير وطنية بالطبع فإن جماعات المقاومة الوطنية التي تحرص على تحرير العراق من القوات الأمريكية والأجنبية عموماً تعاملت مع الحدث بشكل غير دقيق وغلبت عليها عناصر المبالغة والبعد عن الحقيقة، فقد رأت إنها هي التي أجبرت الولايات المتحدة على جدولة الانسحاب وعلى تطبيقه واعتبرت الانسحاب انتصاراً لها بكل المقاييس. وقالت إنها ستواصل العمل ضد القوات الأمريكية المتبقية وضد عناصر الأمن الجديدة التي سيتم التعاقد معها وضد القوات العراقية أيضاً، واعتبرت انسحاب القوات الأمريكية خطوة أولى فقط على طريق تحرير العراق. ولكن الحقائق تشير الى غير ذلك، فالخسائر الكبرى ضد الأمريكيين جاءت من جانب عناصر القاعدة التي هي تنظيم إرهابي لا علاقة له بالصالح العراقي الوطني ووقعت بسبب أخطاء ساذجة في التحركات التي كانت تقوم بها داخل العراق، وفي هذا الإطار فإن الدور الذي قامت به المقاومة كان محدوداً. وقد كانت هناك أسباب اخرى أكثر حسماً لدى الأمريكيين للانسحاب فيها الرغبة من الأصل في عدم البقاء لتجنب وقوع خسائر بشرية في صفوفهم، ومنها تداعيات الحرب الطائفية التي وقعت في البلاد بعد الغزو بين السنة والشيعة والتي خسرت فيها القوات الأمريكية الكثير من رجالها. ومن المعروف أن قرار الانسحاب تم اتخاذه في نهاية عهد جورج بوش وعندما كانت القوات الأمريكية في عز انتصارها وجبروتها، ولكن المواجهات مع القاعدة والفضائح التي لاحقت القوات الأمريكية إعلامياً وسياسياً، فضلاً عن ضخامة تكلفة الوجود العسكري في العراق، ضغطت على إدارة بوش بوضع جدول زمني للانسحاب، ثم جاءت إدارة أوباما لتحسم الأمر وتقرر التمسك بتنفيذ الجدول الزمني مراعاة لمطالب الرأي العام الأمريكي الذي يتوق لاستقبال أبنائه القادمين من المستنقع العراقي، ولكي تعيد استثمار قدراتها العسكرية البشرية في أفغانستان على نحو يحسم معركتها الدائرة هناك مع طالبان.
ولم تكن المقاومة العراقية هي صاحبة الدور الرئيسي في انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وطالما تحقق الانسحاب الآن، فإن السؤال المنطقي هو لماذا تستمر المقاومة؟ أو ما هي أوجه شرعيتها من الآن فصاعداً. فحيث إن تحرير العراق بالكامل لم يحقق بالنظر الى استمرار بقاء القوات الأمريكية (50 ألف جندي)، يصبح الحديث عن الانتصار على القوات الأمريكية كما تقول المقاومة غير مفهوم، وهذا يقلل من صدقيتها مستقبلاً في القدرة على تحقيق النصر الحقيقي. وستجد المقاومة نفسها أمام تساؤلات من السياسيين والرأي العام العراقي تدور كلها حول جدوى استمرارها طالما أن البلاد باتت تتمتع بقدر من السيادة وأصبح وجود القوات الأمريكية فيها محدوداً وفي مناطق على الأطراف وبعيدة عن المدن. ولكن يصمد خطاب المقاومة في وجه هذه التساؤلات حتى لو تم القول بأن هناك قوات أمريكية لا تزال موجودة بالعراق ، فاختفاء القوات من الشوارع وحلول القوات العراقية بدلاً منها وتركيز نشاط القوات المرتزقة في مهام خاصة سيجعل من الصعب على المقاومة استهداف مواقع للقوات الأمريكية أو عناصر منها من ناحية وضمان التأييد الشعبي لها في معركة مع المحتل أصبحت منتهية من ناحية أخري.
هذا فضلاً عن الانقسامات الموجودة في صفوف المقاومة ذاتها حيث يصعب تحديدها في جماعات واضحة وبعينها، كما أن أي تلامس بينها وبين أنشطة القاعدة يفقدها الكثير من المصداقية في الشارع العراقي. وإذا أخذنا في الاعتبار وجهة النظر العربية الرسمية في مسألة الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، فسنجد أنها تصب لصالح موقف الحكومة وضد المقاومة، لأن الحكومات العربية اعترفت وتعاونت وتصادقت مع الحكومة لأسباب عديدة مصلحية تارة وسياسية تارة اخرى وذلك في ظل بقاء الوجود الأمريكي ، فما بالنا الآن بعد أن تم الانسحاب، بالطبع ستعتبره الحكومات العربية مؤشراً على استقرار العراق واستعادته لعافيته وسيادته ولن تقبل بما يعكر صفو هذا الإنجاز، أي لا تقبل بالعمل على دعم المقاومة. إدارة أوباما هي الفائز الوحيد من وراء هذا القرار.. فهو من ناحية يتفق مع مقومات سياستها الخارجية الجديدة وهي وقف الحروب الاستباقية والتركيز على الدبلوماسية وفي نفس الوقت الإبقاء على نافذة ولو ضيقة يمكن الولوج منها الى العنف والحرب إذا اقتضى الأمر ذلك. وحالة الانسحاب من العراق تؤكد هذا التوجه حيث إن الولايات المتحدة قادرة على العودة في أي وقت إذا أرادت وأبقت على عدد من جنودها يضمن الحفاظ على الأوضاع التي وضعتها في العراق على مدى السنوات السبع الماضية. ومن ناحية اخرى فإن إدارة أوباما تبدو – بهذه الخطوة – صادقة مع الرأي العام الأمريكي حيث أوفت بما تعهدت به بالنسبة لمستقبل قواتها في العراق – ولاشك أنها خطوة ستعزز من وضعية الحزب الديمقراطي وهو مقبل على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
الاضطرابات الأمنية لن تتوقف، ليس لأن هناك 50 ألف جندي أمريكي سيرابطون أصلاً في أماكن بعيدة عن المدنيين، وإنما لأن العملية السياسية فاشلة أو في أضعف التقديرات متعثرة، وحيث رفعت واشنطن يدها عن التعامل داخل العراق، فإن الافتقار الى الأمن يصبح حقيقة ، وقد يجر العراقيين الى حرب طائفية، فالمسؤول المباشر الآن هو القوات العراقية وهذا يعني أن العراقيين سيواجهون بعضهم بعضا وعلى ذلك فإن الفراغ الأمني يعد جزءا من الصراع القائم بين القوى العراقية على تشكيلة الحكومة بما يزيد العملية السياسية تعقيداً، ولن تشعر الولايات المتحدة بالقلق طالما هي قادرة على التدخل في الوقت الذي تحدده.