حمدة بنت سعيد الشامسية -
ثلاث روايات في أقل من شهر أكثر بكثير مما خططت له، فعدت للقراءة في مجال عملي كما هفت له خلال الفترة الماضية، وقع اختياري على كتاب صدر عن مجلة فوربز حول الموضوعات التي كتبتها المجلة عن أسطورة الاستثمار (وارن بفت)، متتبعة نجاحاته منقطعة النظير في مجال الاستثمار في الأسهم الذي تميز بالبعد عن المضاربة طوال حياته، وهو ما حقق له ثروة تقارب الـ30 مليار دولار أمريكي مما يضعه في مرتبة ثاني أغنى رجل في الولايات المتحدة بعد صديقه المقرب (بيل جيتس)، ويشترك بفت مع بيل جيتس أيضا في كونه أحد أكبر المتبرعين للأعمال الخيرية في العالم، وقد أعلن مؤخرا بأنه سيتبرع بمعظم ثروته للمؤسسة الخيرية التي يديرها مع زوجته سوزان بفت..
معجبة أنا ببفت ليس بسبب حنكته الاستثمارية التي لا يختلف عليها أحد، ولا بسبب ثرائه الفاحش، إنما بسبب مقاومته لتأثير الثراء على حياته وشخصيته المعتدلة، فهو مازال يعيش في منزله المتواضع في مدينته الصغيرة أوماها والذي اشتراه منذ ما يزيد عن نصف قرن من الزمان بمبلغ لا يتعدى 25 ألف دولار أمريكي، ويقول بفت (أجد في هذا البيت كل ما أحتاج، فلم القصور الكبيرة؟)، ومازالت وجبته المفضلة الهامبرجر والبطاطا المقلية والكوكاكولا، وعلى الرغم من أن بفت يملك إحدى شركات الطيران الخاصة إلا أنه لا يملك طائرة خاصة ولا يختاً خاصا به أسوة بغيره من الأثرياء، وقد نشأ أبناؤه على ذلك، ففي لقاء لابنه هاورد بفت مع مجلة فوربز يحكي هذه القصة ويقول: عندما تخرجت من الثانوية طلبت من والدي سيارة كورفيت أسوة بزملائي من أبناء الأثرياء، فما كان من والدي إلا أن أخرج دفتر شيكاته قائلا: أنا لن أشتري لك السيارة، لكنني سأدفع جزءا من المبلغ وعليك أن تتدبر الباقي، وليكن معلوما لديك بأن المبلغ الذي سأدفعه سيتم استرجاعه من الهدايا المستحقة لك للسنوات الثلاث القادمة بما فيها هدايا عيد ميلادك وهدايا عيد الميلاد وهدية التخرج من الجامعة، كما عليك وحدك أن تدفع ثمن استهلاك السيارة من بترول وصيانة وتأمين)، وهكذا حصل هاورد على السيارة، وعندما أراد الدخول للجامعة منحاه والداه مجموعة من الأسهم ليتاجر فيها حتى يستطيع توفير مبلغ الرسوم الدراسية، لهذا عندما ترشح لمنصب سياسي عن ولايته وعلقت منافسته السياسية (هذا ابن ثري آخر) رد عليها هاورد بفت (نعم لكنني لا أملك أمواله)، وتقوم سياسة وارن بفت في الاستثمار على قاعدة أساسية يشرحها كالتالي: (أنا لا اشتري أسهما، أنا أشتري شركة)، فهو لا ينظر إلى قيمة السهم بقدر ما ينظر إلى ربحية الشركة وإدارتها وفرصتها للبقاء، ودائما ما يشتري أسهما رخيصة ثم يبقيها فترات طويلة من الزمن، فلا ينساق لثقافة السوق، ولا يمشي مع القطيع في قراراته، وهو يعرف المخاطرة في الاستثمار بقوله (تأتي المخاطرة عندما تجهل ما أنت بصدد عمله)، وأغلب ثروة بفت وعائلته والكثير من أبناء بلدته تأتي من شركة بيركشاير هاثوي التي أسسها بفت في بداية حياته، وتنضوي تحتها مجموعة من الشركات الأخرى، وقد راهن بفت طوال حياته على (الفائدة المركبة) التي يعتبرها معجزة الاستثمار وتكوين الثروات بلا منازع، وقد أقنع العديد من أبناء بلدته في بداية حياته على الاستثمار معه على هذا المبدأ، وقد انصاع له عدد كبير منهم الأمر الذي جعل الكثير من سكان مدينته مليونيرات فقط من الاستثمار في أسهم شركة بيركشاير هاثوي وإبقائها فترة طويلة بما يكفي لمضاعفتها، وكما فعل بفت أبقى مليونيرات أوماها ملايينهم في الأسهم ولم يقوموا بصرفها على حياة البذخ، وتفسر كارول انجيلز وهي طبيبة أطفال استثمرت 100 ألف دولار أمريكي مع بفت في عام 1974 (لا يوجد الكثير مما تصرف عليه في أوماها، وإن فعلت ستوصف بالجنون)، وتصل قيمة أسهم أنجيز اليوم 300 مليون دولار أمريكي، وهي وأسرتها من ضمن 10 أسر من أوماها استثمرت مع بفت وتملك هذه الأسر ما لا تقل قيمته عن 100 مليون من الأسهم لكل أسرة، نتيجة ثقة هذه الأسر بالفائدة المركبة التي كان بفت يروج لها، وعن أسباب عدم تأثير المال عليه وعلى أبناء بلدته يقول بفت: (المال يظهر معادن الناس الحقيقية ويبرزها، فإن كنت نبيلا زادك المال نبلا، وإن كنت خسيسا في الأصل زادك المال خسة)، ويدعو بفت الساعين للثروة بمصاحبة من هم أفضل عنهم دائما، ويبقوا في صحبة من هم أنجح منهم ذلك من شأنه أن يجعلهم يتطبعون بأطباعهم فالنجاح والثراء معديان أيضا، وهذا يذكرنا بالمثل القائل (من عاشر القوم أربعين يوما صار منهم)، والمثل القائل (قل لي من تصاحب أقل لك من أنت)، وقد طبق وارن بفت هذه المقولة طوال حياته لذا فهو دائما يقول بأن نجاحي لم يكن فرديا فقد ساهم فيه الكثيرون ممن رافقت عبر السنين.