د. أحمد العبيدلي كاتب بحريني -
أعادت مؤسسة النقد الدولي تقويم الوضع بالخليج، وتحديث تقريرها المفصل الصادر قبل عام وكرسته لآثار الأزمة على دول مجلس التعاون.
لحظ التحديث المنشور مؤخراً أن الخطر الأساس الذي يلوح بالأفق هو استمرار بروز حالة مديدة لتراجع أسعار النفط ترتبط بتعاف عالمي بطيء. وقد اتضح أنه ومنذ يونيو 2010 فإن أزمة الديون تركت آثاراً محدودة على دول مجلس التعاون، كما أن التركة المترتبة من أزمة الديون السيادية باليونان تركت بدورها آثاراً محدودة على المنطقة حتى الآن. وبالنظر إلى أحداث منطقة اليورو، فإن صناع القرار الخليجيين الذين أخذوا علماً وقيّموا دروس الأزمة، أكدوا بدورهم أن تلك التطورات لا تتضمن بالضرورة تأخيراً بتأسيس الاتحاد النقدي لمجلس التعاون.
فيما يخص القلق الأكبر الذي ينتاب المؤسسة الدولية والمتمثل أساساً بمخاوف تراجع أسعار النفط، فلقد اتضح للاقتصاد العالمي أن هناك معدلاً لا ينزل عنه سعر النفط، وأن هذا المعدل مرتبط أساساً بمسألتين: الأولى هي أن ما يسمى بالطاقة الأحفورية، ورغم كل الجهود لإيجاد بدائل لها، لا تزال هي مصدر طاقة أساس بالعالم، بالنظر إلى كلف استخراجها المقبولة، وأسعار تداولها، وتلبيتها للتقنيات القائمة باستهلاكها. فكثير من مصادر الطاقة الطبيعية الأخرى التي يجهد العالم للحصول عليها أما أن إنتاجها مكلف أو أن تقنيات توفير كميات كافية وقابلة للاستخدام لا تزال بعيدة عن المنال كما الحال مع الطاقة الشمسية مثلاً، أو أنها محفوفة بالمخاطر كما الحال بالطاقة النووية. لا يزال النفط سيد الطاقة بالعالم، ولا تزال منتجاته الأكثر قبولاً وانتشاراً وهو بعيد عن ان يودع كوكبنا كما فعل الفحم الحجري مثلاً الذي ساد بسوق الطاقة بالقرن التاسع عشر وترك سدة الهيمنة والانتشار مع غروب القرن العشرين.
المسألة الثانية: أن هناك طلباً منتظماً على النفط يحفظ أسعاره من الهبوط الحاد. بل إن اقتصادي الصين والهند وهما من أكبر اقتصادات العالم لا يزالان يشكلان سوقين شرهين لاستخدام الطاقة وأي مؤشرات للتعافي أو الازدهار لديهما، ستترافق أيضاً مع ازدياد طلبهما على النفط الخليجي، أحد أقرب مناطق مصادر الطاقة لهما.
يرتبط هذان الاستنتاجان والناتجان بشكل تلقائي من آليات السوق الحرة من جانب ومن مستويات تقنيات الطاقة البديلة بشكل أو بآخر بسياسة اتبعتها الحكومات الخليجية حيث انتبهت أن تأخذ بالاعتبار حين وضعها لميزانياتها سعراً واقعياً لبرميل النفط مرتبطاً بالمعدل المعتاد والذي تسجله سنوات مديدة من البيع. وأضافت لذلك مسألة هي أن تأخذ من إيرادات السنوات السمان وتبقيها للسنوات العجاف. وهكذا وصلت الدول الخليجية لنوع من الاستقرار بحيث لا تتعرض لهزات غير متوقعة.
وهكذا وحين حلت الأزمة الأخيرة وصدرت توقعات بأن يؤدي التراجع بالاقتصاد العالمي إلى تراجع بأسعار النفط كانت التوقعات ليست دقيقة أو واقعية إذ أن الدول الخليجية كانت قد اتخذت منذ بضع سنوات خطوات لمواجهة مثل هذه الحالة. وبدل أن يؤثر تراجع سعر النفط على خطط اقتصادية سلباً، سارت الأمور بشكل عام نحو التوسع بدل التراجع كما بها جميعها تقريبا، ومحافظة على الوضع بكل الدول تقريبا .
إلا أن ذلك لم يمنع انعكاس الوضع على المصارف في المنطقة، وإصابتها برهاب الخوف من الأزمة. ولكن، والحق يقال لم يكن الأمر، كله رهاب متخيل، وإنما هو مخاوف تنبع من مرحلة صغر العمر والحجم لتلك البنوك. وهناك التجربة والمرور بظروف مختلفة والتعرض لضغوطات وأزمات متعددة.
صحيح أن المصارف المحلية، قد حققت تقدماً كبيراً في العقود الماضية، ولكن تلك العقود لا تقارن بقرون من العمل المديد الذي رافق النمو الرأسمالي الغربي. ورساميل الملايين التي صعدت لتبلغ ملياراً أو مليارين حين تأسيس تلك المصارف، لا تقارن مع عشرات ومئات المليارات التي تشكل رساميل المصارف الغربية. ولا زالت دول الخليج حينما تقرر جمع أموال ضخمة لمشروع كبير تذهب إلى المصارف الغربية سعياً وراء إيجاد التمويل المطلوب. فالمصارف المحلية ليس بإمكانها اتخاذ القرارات أو تحمل المخاطر الكبيرة.
وهكذا حين أتت الأزمة لم تكن المصارف المحلية قد أمضت من العمر التأسيسي ما يكفي، ولا راكمت من الأموال ما يخاطب الأوضاع الصعبة، ولم تجمع من الخبرات وتوظف من الثقة ما يكفي للعب دور قيادي. كان موقفها دفاعيا، وصامداً بحيث تلقت آثار الأزمة واحتوتها، لكنها ما قويت على التصدي للمخاوف بالكامل. فتسللت الخشية من انتقال الأزمة بمظاهرها الأساس من عواصم المال العالمية إلى المراكز الخليجية.
لقد شهد القطاع المصرفي نمواً غير مسبوقٍ بالخليج وبالتحديد بالبحرين ودبي، ولكن هذا النمو لا يزال محلياً وفي أحسن توصيف له، هو نمو خليجي. ولم تظهر تلك المصارف حتى الآن قدرة على أن تكون مصارف دولية تقوم بقيادة التعافي، والعودة بعواصم العالم إلى المنطقة الخضراء.
وحتى تصل بعض المصارف الخليجية للعالمية عليها أن تفكر بشكل جدي بسياسات للاستحواذ والاندماج.