أمين محمد أمين مدير تحرير الأهرام-
وتمضى ليالي الشهر الكريم وتتسابق لليلة القدر وختم القرآن في هذه الليلة التي تتجسد فيها سماحة الإسلام وتتنزل فيها رحمات الله على عبادة الذين آمنوا بدين الوسطية البعيد كل البعد عن العنف والتطرف والإرهاب، في ليلة القدر يتمثل المشهد الإسلامي كاملا بما يزخر به من مشاهد للتراحم والرحمة والصوم والعبادة في أجمل صورة للحياة الإنسانية السمحة.
هذه المعاني الجميلة التي يحملها سنوياً شهر القرآن تدعونا جميعاً من المحيط للخليج لوقفة تأمل وحساب مع النفس لأحوالنا العربية حتى نكون بحق خير أمة أخرجت للناس في المستقبل وليس في الماضي فقط.
المشهد العربي بكل أسف لم يختلف كثيراً في شهر رمضان الحالي عن باقي شهور العام.. عنف وقتال الأخ لأخيه واغتيال الأبرياء .. مشاهد متعددة من الصومال إلى السودان إلى فلسطين التي لم تتوقف فيها آلة الحرب الإسرائيلية عن توجيه ضرباتها للضحايا المعتقلين في أكبر سجن عرفه التاريخ الحديث .. سجن بحجم وطن وحصار لا يعرف الرحمة لقطاع غزة هذا الحصار الذي لم تشفع في فكه الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلت أخيرا وأدت إلى انطلاق المفاوضات المباشرة في واشنطن الخميس الماضي برعاية الرئيس الأمريكي أوباما (راعي السلام) الذي يواجه حملته الانتخابية، وحاول تحقيق أكبر تحد يواجهه منذ دخوله البيت الأبيض قبل 18 شهراً بتحقيق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وهو الوعد الذي تعهد به خلال حملته الانتخابية، وحاول تنفيذه ولكنه اصطدم بالتحدي الإسرائيلي ..
ومع انطلاق المفاوضات التي طال انتظارها سنوات، لا يمكن للمتابع إلا أن يستحضر جولات المفاوضات غير المباشرة التي لم تسفر عن شيء، ولم تتقدم خطوة واحدة تبني عليها المفاوضات المباشرة، ويبدو جليا أن إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو على المفاوضات في هذا التوقيت المبكر في الثاني من سبتمبر، وتشجيعه لراعي السلام الأمريكي إلى إطلاق سلسلة من التصريحات ببدء المفاوضات المباشرة لن تكون سوى بداية لسلسلة من الصعوبات والعراقيل التي لا تمل إسرائيل من وضعها أمام تحقيق السلام الدائم والشامل.
ولعل أول الاختبارات لجدية المفاوضات ستكون يوم 26 سبتمبر الحالي، وهو الموعد الذي حددته إسرائيل كنهاية للتجميد الصوري لبناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية والقدس، وهو الشرط الذي تمسك به رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو ولم يتنازل عنه على الرغم من مطالبته الفلسطينيين بعدم وضع شروط مسبقة قبيل بدء المفاوضات المباشرة، ولكن هذا الشرط يطبق على الفلسطينيين وليس على الإسرائيليين ورغم ذلك أصدرت الرباعية الدولية بيانا طالبت فيه الفلسطينيين بالتنازل عن شرط وقف بناء المستوطنات وذلك تحت دعوى اتهام محمود عباس ورفاقه بأن تمسكهم بتنفيذ طلب أوباما بوقف بناء المستوطنات هو إجهاض لفرص السلام!!.
هذا الشرط الأمريكي لبدء المفاوضات الذي تمسك به الفلسطينيون سرعان ما تنازلت عنه إدارة أوباما أمام ضغط اللوبي الصهيوني الأمريكي صاحب التأثير الكبير على انتخابات الكونجرس الأمريكي التي ستجري بعد شهرين في نوفمبر المقبل، في هذه الانتخابات يسعى أوباما لتحقيق أمل الديمقراطيين في الفوز بأكبر نسبة من مقاعد الكونجرس في الوقت الذي تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية أوباما بين اليهود الأمريكيين لنسبة 42٪ وذلك مقابل 78٪ صوتوا له في انتخابات 2008 إلى جانب تزايد أعداد اليهود المؤيدين للجمهوريين وهو ما دعا الرئيس الأمريكي للعمل لإنقاذ حزبه من خلال المفاوضات المباشرة بتقديم تنازلات لإسرائيل على حساب الفلسطينيين، فلا بأس من التغاضي عن تجميد بناء المستوطنات ولا ضير من التغافل عنها والاستمرار في المفاوضات المباشرة، ولا ضرورة أيضا لتحديد جدول أعمال وجدول زمني محدد للمفاوضات التي من الممكن أن تستمر عاما أو عشرة أعوام أو أكثر لتحقيق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية المنتظرة.
هذه الأجواء الهلامية المحيطة بالمفاوضات تحقق كل ما تريده إسرائيل، فهي تحقيق الأمن الكامل والمتزايد لإسرائيل على حساب جميع المطالب الفلسطينية التي تم وسيتم فلترتها وذلك في إطار مقولة وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان الشريك الرئيس لنتانياهو في الائتلاف الحكومي من خلال حزب «إسرائيل بيتنا» المتطرف الذي نجحت الجهود العربية في إبعاده عن المشاركة في المفاوضات المباشرة نتيجة مواقفه اليمينية المتطرفة التي كان آخرها إعلانه عن عدم وجود شريك حقيقي في عملية السلام وذلك على الرغم مما قدمه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورفاقه من تنازلات ورغم ذلك تظل قمة المشاكل التي يمكن أن تصطدم بها جلسات المفاوضات المباشرة هو رفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتنفيذ قرار المجتمع الدولي 242 والعودة لحدود 1967 لإقامة الدولة الفلسطينية خاصة وأن المستعمرات الإسرائيلية ابتلعت أجزاء كبيرة من هذه الأراضي وهو ما دعا نتانياهو في زيارته الأخيرة لواشنطن إلى طلب وعد من أوباما بأن لا يتم التفاوض على المستوطنات الكبرى القائمة ومع استمرار المعوقات والصعوبات للتوصل إلى حلول جذرية لقضايا الحل النهائي وفي مقدمتها الحدود واللاجئون وذلك في إطار الطلب الإسرائيلي المسبق بالاعتراف أولاً بدولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية أرض الميعاد أرض القومية اليهودية التي يسعى نتانياهو ورفاقه من اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى تحقيقها.
هذا المطلب ينسف جميع جهود السلام، ويؤدي فيما يؤدي إلى عدم السماح للاجئين الفلسطينيين بالخارج بالعودة إلى أراضيهم وديارهم داخل حدود دولة إسرائيل اليهودية التي لا يجب أن يقيم عليها إلا كل من يدين بالديانة اليهودية وفي الوقت نفسه يسمح بتنفيذ سياسة الترانسفير على عرب الداخل من مسلمين ومسيحيين وترحيل كل من لا يدين بالديانة اليهودية إلى دول الجوار ويهيئ الأجواء لتنفيذ الخطة التي قدمها ليبرمان من قبل لتبادل الأراضي بالمستعمرات بإعطاء مصر والأردن أراضي بديلة في صحراء النقب بعد السماح بامتداد غزة إلى حدود رفح المصرية لاستيعاب اللاجئين الجدد من أبناء فلسطينيي الداخل والوضع نفسه بالنسبة للأردن التي كانت تهدف الأطماع الإسرائيلية من قبل لأن تكون الوطن البديل للفلسطينيين.
وعلى الرغم من تناقض المواقف بين التفاؤل والتشاؤم حول إمكان نجاح المفاوضات المباشرة داخل إسرائيل وخارجها في الوطن العربي إلا أننا نجد أن المجتمع الإسرائيلي منقسم أساساً حول توجهات نتانياهو للسلام التي يعتبرها البعض مناورة كبرى شديدة الذكاء من نتانياهو بذهابه إلى واشنطن وهو في موقف قوي يستند إلى شعبية كبيرة في الداخل إلى جانب مخاوفه من فقدان التأييد الدولي وخاصة الأمريكي في حالة استمرار تعنته بعد تجربة الشهور الماضية من الجفاء مع أوباما ولكن على الجانب الآخر نجد أن توقيت انطلاق المفاوضات والإصرار عليها رغم عدم تحقيق المفاوضات غير المباشرة أي تقدم هو انتصار لنتانياهو أيضاً خاصة وأنه نجح في استخدام اللوبي اليهودي الأمريكي في الضغط على الإدارة الأمريكية قبل انتخابات الكونجرس وفي الوقت نفسه فإن فترة العام التي يمكن أن تستغرقها المفاوضات المباشرة ستساعده أيضاً في اقتراب موعد بدء الحملة الجديدة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يلعب فيها اللوبي الصهويني دوراً كبيراً مؤثرا.
علي الجانب الآخر نجد أن توقعات الفشل للمفاوضات تتزايد خاصة وأن البعض يشير إلى أن الهدف من إطلاقها في هذا التوقيت هو إنقاذ أوباما وليس إنقاذ مسيرة السلام خاصة أن الفشل الذي يواجهه الرئيس الأمريكي في أفغانستان والأوضاع الاقتصادية في بلاده والمواجهة المنتظرة مع إيران تدعو أوباما إلى الاتجاه للموقف الصعب وهو التوجه المباشر لقضية السلام تحت غطاء تحقيق مصالح أمريكا بتكوين لوبي شرق أوسطي يساعده على الخروج عن أزماته.
وعلى الجانب الآخر نجد أن الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية ماتزال حجر عثرة في سبيل تحقيق السلام خاصة بعد إعلان رفض بعض فصائل المقاومة الفلسطينية الإستجابة للدعوة الأمريكية للدخول في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وهو ما ينذر بهدم المفاوضات بقيام إحدى هذه الفصائل بعملية انتحارية كبرى تؤدي إلى وأد المفاوضات وعرقلة مسيرتها لتعود بها إلى نقطة الصفر.
إن سيناريو احتفالية مباحثات السلام منذ انطلاقها قبل أكثر من سبعة عشر عاما لم يتغير، ابتسامات ومصافحات وأحاديث ودية وخطب حماسية ووعود بتحقيق السلام الذي لم يتحقق، ونظن أنه لن يتحقق لسبب واضح وصريح وهو غياب الإرادة الإسرائيلية للحكومات المتعاقبة لتحقيق السلام وتمسك نتانياهو بوأد المطلب الشرعي بالانسحاب إلى حدود 67، واعتبار السماح بقيام الدولة الفلسطينية هو انتحار لدولة إسرائيل.
أمام هذا الواقع بين التفاؤل الحذر والتشاؤم يظل التساؤل قائماً منذ أكثر من 60 عاماً عمر قضية العرب الأولى (فلسطين) هل ينجح الرئيس الأمريكي أوباما في تحقيق ما فشل فيه الرؤساء السابقون؟ هل ينفذ أوباما الوعود الأمريكية بتحقيق وإقامة الدولة الفلسطينية المتكاملة السيادة؟!.. هل يتحقق الأمل أم تكشف الإدارة الأمريكية عن الوجه الحقيقي بأن الإسراع بإجراء المفاوضات المباشرة إنما لتكوين لوبي عربي لمساعدتها هي وإسرائيل في حرب البرنامج النووي الإيراني بعد انشغال الفلسطينيين والعرب بسراب مفاوضات السلام الرمضانية فهل يتحقق الأمل أم نظل نلهث خلف وعود السلام التي لم تتحقق؟!.