بيئات متعددة وثراء في الحياة الفطرية-
صلالة - مكتب عمان -
التنوع الحيوي الكبير في محافظة ظفار دليل غنى البيئة بالحياة الفطرية الطبيعية من حيوانات ونباتات وأحياء دقيقة تعيش دوراتها الحياتية في بيئات متعددة التكوينات الفيزيائية الأمر الذي ساهم في هذا الغنى وهذا التنوع.
فالبيئة البحرية غنية بالمصايد وبالتنوع في الثروة السمكية لأنها على بحر العرب المفتوح على المحيط الهندي حيث التيارات البحرية ودرجات الحرارة وتوفر الغذاء يجذب مئات الأنواع من الأسماك القاعية والسطحية على مدار العام ليس هذا فحسب بل إن السواحل العمانية في محافظة ظفار تجتذب بعض الثدييات النادرة كحوت العنبر والحوت الأحدب والحوت الأزرق وعدة أنواع من الدلافين وهذه البيئة أيضا غنية بالقشريات والرخويات ذات الإنتاج الاقتصادي وهي أيضا غنية بالشعب المرجانية التي تعيش في محيطها أنواع عديدة من الأسماك تعرف بأسماك الشعب المرجانية مثل الأسماك الملونة وقناديل البحر.
ونتيجة لتداخل مياه البحر مع مياه الأمطار التي تصرفها الأودية عبر السنين تكونت بيئات مهمة بالقرب من سواحل المحافظة هذه البيئات هي الخيران التي تشكل بيئة مثالية للعديد من النباتات والأسماك والطيور المستوطنة والمهاجرة والربيان وقد اعتمد الناس في الماضي على هذه الخيران في سقي المواشي وفي الرعي خاصة أولئك الذين يقطنون في مناطق بعيدة عن مصادر المياه والرعي الرئيسية.
وشكلت بيئات السهول الساحلية والجبلية بيئات مماثلة في تنوعها الإحيائي والفيزيائي تتميز بالتنوع بل والانفراد في بعض أنواع النباتات والحيوانات وهي تعتبر من حيث هذا التنوع بيئات مستقلة بمكوناتها الايكولوجية وإن كانت كل هذه البيئات بدأت تعاني من الاستنزاف في الموارد وفي ظهور مشكلات بيئية خطيرة رغم الجهود الحكومية المبذولة في الجوانب التشريعية والرقابية ورغم كثرة المحميات الطبيعية ومناطق صون الطبيعة التي تنتشر في أنحاء البلاد.
المحميات الطبيعية
تعرف المحميات الطبيعية بأنها مناطق محددة الأبعاد جغرافيا تفرض عليها الحماية بموجب مراسيم سلطانية سامية من أجل المحافظة على ما تتميز به من التنوع البيئي الطبيعي حفاظا على تلك الموارد من الاستغلال الجائر أو من الانقراض نتيجة المتغيرات الطبيعية والتنموية؛ فالسلطنة من أوائل الدول في المنطقة التي استحدثت نظم المحميات من حيث القوانين أو الإدارة وهي اليوم تتمتع بسمعة طيبة في الأوساط البيئية الدولية في هذا المجال, أصبح الآن في محافظة ظفار ثلاث محميات طبيعية بعد المرسوم السلطاني السامي رقم 16 / 2001 المتعلق بتحديد أبعاد المناطق التي أدرجت في قائمة التراث العالمي فواحدة من هذه المواقع هو وادي دوكه الذي حدد كمنطقة طبيعية لنمو أشجار اللبان التاريخية وقد سبق وأشهرت في عام 1997م محمية جبل سمحان الطبيعية ومحمية الأخوار بساحل ظفار بموجب المرسومين السلطانيين الساميين رقمي 48 و49/97.
فمساحة محمية جبل سمحان حوالي 4500 كيلومتر مربع وهي عبارة عن سلسلة من الأراضي المرتفعة المتكونة من الحجر الجيري القاعدي وتتكون هذه المحمية من جروف صخرية مقابلة للسهول الساحلية ونتوءات حادة إلى الشمال وتشمل المحمية خلجان وسواحل نيابة حاسك وبعض أوديتها.
وتزخر هذه المحمية بتنوع في الموارد الفيزيائية والحيوية حيث التكوينات الجيولوجية المهمة والأودية والجروف الصخرية والأخاديد العميقة التي أوجدت نظاما ايكولوجيا للكائنات الطبيعية من نباتات وحيوانات تكيفت وفقا للظروف في دوراتها الطبيعية ومن هذه الموارد الفيزيائية المرتفعات الجيرية والمنحدرات الصخرية والأودية وبرك المياه بينما الموارد الحيوية عبارة عن حيوانات النمر العربي والوعل النوبي والذئاب والضباع والغزلان ومجموعات أخرى من الحيوان البرية وفي البيئة البحرية التابعة للمحمية نجد تنوعا آخر في بعض الكائنات البحرية كالحيتان والدلافين والسلاحف الخضراء وكل أنواع الأسماك التي تعيش في البحار العمانية.
وتشتمل المحمية على مجموعات بعضها نادرة من الأشجار والنباتات من أجل كل هذا التنوع المهم فرضت الحماية على هذه المحمية من أجل توفير الحماية اللازمة للحياة الفطرية في بيئاتها وإتاحة استغلال هذه الموارد بصورة مستدامة عبر إدارتها بالطرق الصحيحة.
تشمل هذه المحمية تسعة أخوار تتراوح مساحاتها بين بضعة هكتارات ومئات الهكتارات؛ فأكبرها خور روري بولاية طاقة وتبلغ مساحته 8.2 كيلومتر مربع وأصغرها خور القرم الصغير بالقرب من فندق هلتون على الطريق المؤدي إلى ميناء صلالة ومجموع أخوار هذه المحمية تسعة أخوار؛ بعض هذه الأخوار تتمتع بموارد حيوية مهمة كالتنوع في الأسماك التي تتجاوز أنواعها في عدد من هذه الأخوار العشرين نوع مثل خور ولاية طاقة عند المدخل الغربي للمدينة إلى جانب التنوع الكبير في النباتات خاصة نبات البوص في بعض هذه الأخوار التي يستدل منها بمواقع المياه العذبة الصالحة لشرب المواشي وحتى الإنسان.
فإلى الغرب من صلالة يقع خور المغسيل عند الطرف الشرقي لجبل القمر وهذا الخور مساحته حوالي نصف كيلومتر مربع وطوله حوالي ثلث كيلومتر وعرضه 150 مترا وللخور أهمية قصوى في الحفاظ على أنواع هامة من الطيور المستوطنة والمهاجرة التي تأوي الخور لوفرة الغذاء طوال العام فمن السهل عند المرور على هذا الخور مشاهدة العشرات من أنواع الطيور بأشكالها وألوانها وأحجامها المختلفة منها القادمة من أفريقيا ومنها القادمة من أوروبا والأخرى من الهند ومنها المستوطنة وقد أحصي في فترات ماضية مئات الأنواع من هذه الطيور في فترات مختلفة من العام خاصة في فصل الشتاء حيث تكثر الطيور المهاجرة ونظرا لأهمية هذا الخور كمستوطنة للطيور فقد تمت حماية الموقع ودخل ضمن نطاق المحميات الطبيعية.
ويقع خورا القرم بالقرب من فندق هلتون وقد أخذا تسميتهما من أشجار القرم الكثيفة التي تغطي الخورين وتحجب رؤية مياههما من الطريق العام وهذان الخوران مساحتهما لا تتجاوز ربع كيلو متر مربع ولكن الخورين يتمتعان بميزات طبيعية مهمة حيث الوجود الكثيف لأشجار القرم يدفع بالكثير من الطيور إلى بناء أعشاشها في هذين الخورين وتوجد أيضا بعض الدورات الحيوية لبعض الكائنات الدقيقة وبعض النباتات ويوجد في الخورين أنواع من الأسماك قادرة على العيش في المياه القليلة الملوحة يبلغ مجموعها حوالي 9 أنواع بينما عدد أنواع النباتات حوالي 13 نوعاً.
في حين تعرض خور عوقد للعديد من التهديدات التي استدعت الجهات المعنية الإسراع في فرض الحماية القانونية على الخور وإدخاله ضمن نطاق محمية الأخوار وهذا الخور يقع عند أطراف مدينة عوقد القديمة ومساحته حوالي 16 هكتارا وهو أحد المواقع التي ترتاده الطيور وتعشعش فيه طوال العام ومن جملة أهداف الحماية لهذا الخور هو حماية الحياة الفطرية فيه والبحث عن سبل فاعلة لاستخدام الخور في معالجات التداخل بين مياه البحر ومياه حوض صلالة واستغلال المواقع القريبة من الخور في المجالات السياحية.
ويعتبر خور البليد أهم أخوار ولاية صلالة وقد أخذ تسميته من المدينة الأثرية التي تقع على ضفاف هذا الخور الذي يلفها من جهة الشرق والشمال وهذا الخور كان متصلا بالبحر في الماضي وكان يستخدم كميناء طبيعي وهو عميق في بعض أجزائه والمنطقة حاليا تقع ضمن قائمة التراث العالمي لطريق اللبان والخور يتمتع بالحماية ولذلك تكمن أهمية هذا المكان في الجمع بين الآثار والتاريخ والطبيعة وهو من المواقع التي تعمل الحكومة على تهيئته لتصبح الحديقة الأثرية الأولى في السلطنة حماية للموارد الطبيعية ولجذب السياح إلى الموقع ولتعريف الناس بهذه المدينة الأثرية المهمة.
ويشبه خور الدهاريز في موقعه وأهميته خور عوقد فخور الدهاريز يقع في المدخل الشرقي لمدينة صلالة وتتداخل مياهه بمياه حوض صلالة خاصة الآبار الواقعة على الشريط الساحلي، ولخور الدهاريز ميزات نسبية مهمة في التنوع الحيوي فهو خور تفد إليه الطيور المهاجرة بكثرة وربما وصل أنواعها في بعض السنوات إلى مئات الأنواع. وهناك ثلاث أخوار في محمية في ولاية طاقة أولهم خور صولي وقد استخدم قديما في الملاحة البحرية ويقع حول الخور آثار مدنية مهمة وهي تحظى بالحماية وكان الخور ولا يزال يستخدم في أغراض الرعي والشرب لقطعان الجمال التي تحصل على غذاء وافر من النباتات الغنية في هذا الخور.
والخور متصل بنظام تصريف مائي كبير من أودية خشيم وهو أهم خور من الناحية الحيوية في هذه المحمية حيث تكثر فيه أنواع من اللافقاريات المجهرية ويصل عددها إلى نحو 44 نوعا وكذلك الطيور التي تجاوزت أنواعها في الخور 66 نوعا والأسماك 26 نوعا والنباتات حوالي 70 نوعا.
ويقع الخور الثاني في المدخل الغربي لمدينة طاقة وحمل هذا الخور عدة تسميات ومساحته حوالي كيلومترين مربع وبالخور أماكن تنمو فيها نوعيات من النباتات التي لا تنمو إلا بواسطة المياه العذبة وأخرى تنمو في درجات ملوحة عالية ولهذا الخور مجموعة من الخواص التي ساعدت على حياة أكثر من 20 نوعا من الأسماك وغيرها من الأحياء الدقيقة وهناك حوالي 200 نوع من الطيور قد سجل وجودها في هذا الخور بين فترة وأخرى وبالنسبة للنباتات النامية في هذا الخور فهي من فصيلة النجيلية والقصب وكان الخور يستخدم لسقي المواشي ولعلفها وقليل هم الذين يستخدمون الخور لصيد الأسماك.
أما أكبر هذه الخيران وأكثرها جذبا للسياح فهو خور روري ويقع ميناء خور روري الشهير المعروف بسمهرم في شرق طاقة ويوجد بالقرب من الخور آثار مهمة من عهود ما قبل الميلاد وقد ذكر الميناء كثيرا في المصادر التاريخية اليونانية والإغريقية والعربية باعتباره الميناء الرئيسي لتصدير اللبان في ظفار حتى فترة القرن السادس الميلادي في العهد الحميري وربما إلى فترة لاحقة ولذلك يكتسب الخور كمحمية طبيعية وكمحمية تراثية أهمية كبرى فالموقع سجل مؤخرا ضمن قائمة التراث العالمي وقبل ذلك كان محمية طبيعية للحفاظ على التوازن الحيوي في هذا الخور الذي كما قلنا يعد أكبر أخوار المحمية وتعيش فيه العديد من الأسماك والطيور والنباتات تجاوزت بعض أنواعها المائة نوع والخور متصل بأهم نظام صرف مائي في ظفار وهو وادي دربات الذي يمد الخور بشكل شبه سنوي بملايين الجالونات من المياه العذبة والمؤشر الهام في هذا الخور على عذوبة مياهه هو النمو الكبير لنباتات البوص على ضفاف الخور بكثافة وهذه النباتات تعتبر مصدرا غذائيا مهما للمواشي.