فاطمة دياب :-- في 13 ديسمبر عام 2005 طلبت الحكومة اللبنانية من الأمم المتحدة، محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وآخرين. وعملٍ بقرار مجلس الأمن رقم 1664 لعام 2006 أجرت الأمم المتحدة ولبنان مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبموجب قرار مجلس الأمن 1757 دخلت حيز النفاذ. وقد تم توسيع اختصاص المحكمة لتتجاوز نطاق التفجير، إلى هجمات أخرى وقعت بلبنان في الفترة ما بين 1 أكتوبر 2004 و13 ديسمبر 2005 هي هجمات متلازمة وفقا لمبادئ العدالة الجنائية وخطورتها، مماثلة لطبيعة وخطورة الهجوم الذي وقع ضد الحريري، ويشمل مبادئ أو عوامل مثل الدافع والغاية وطبيعة الضحايا المستهدفين ونمط الاعتداءات والجناة، ويمكن للجرائم المرتكبة أن تكون مؤهلة لان تدرج ضمن اختصاص المحكمة وفقا للمعاينة، إذا قررت الحكومة اللبنانية، والأمم المتحدة ذلك وبموافقة مجلس الأمن.
ومن ثم كان إعلان المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة مرتكبي اغتيال الحريري، بمثابة الطريق لتسابق القوي الإقليمية والدولية للتأثير بالوضع اللبناني على مستوياته السياسية والأمنية والأهم طبيعة تحالفانه الداخلية والخارجية.. بما يسمح أن تكون قراراتها متوافقة ومصالح هذه القوى، وما تراه من رسم الخريطة السياسية والأمنية للدولة اللبنانية، حيث أصبح السلام في لبنان مرهونا بشكل كبير بقرار المحكمة، خاصة بعد الإعلان عن القرار الظني للمحكمة بشأن تورط عناصر من حزب الله، وهو الأساس في موضوع التأثيرات والتفاعلات، لجميع القوي العاملة في لبنان عربية، أو إقليمية، أو دولية. الأمر الذي جعل من الدول العربية ذات التأثير بلبنان، أن تعي الخطر القادم بسبب هذا القرار الظني وتداعياته على لبنان، تحديداً بعد تصريحات نصر الله، وتشديده على أن المقاومة مستعدة في أي لحظة للدفاع عن لبنان ضد أي أخطار، متهما إسرائيل في ذات الوقت بأنها وراء كل التوترات التي تحدث، والتي أكدتها التصرفات الإسرائيلية المقابلة للتحرك العربي لإنهاء الخصومات العربية المرتبطة بلبنان والمتمثلة في أساسها بالمملكة العربية السعودية وسوريا.
ويمكن الاستناد لهذه الحقيقة بما أكدته التقارير التي تحدثت عن قيام الطيران الإسرائيلي بالتحليق بالأجواء اللبنانية، في الوقت الذي كان لبنان تستعد فيه لاحتضان لقاء العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والرئيس السوري بشار الأسد مع الرئيس اللبناني ميشيل سليمان، من أجل التهدئة بعد أزمة قرار المحكمة الدولية، والتي بدأ تفعيل عملها المحقق اليهودي الألماني ديتليف ميلس ومحاولة تجاوز أي أزمة، يمكن أن تعيد لبنان لحرب أهلية أخرى أو صراعات بغني عنها، كمواجهة عنيفة مثلا مع إسرائيل. فالمظلة العربية أن أطلت بنفسها على دولة لبنان، إلا أنه غير مسموح لها أو غيرها أن تكون فاعلا أو مؤثرا في الساحة باستثناء قضية قرار المحكمة، أي الضغط على قوى المقاومة لتقبل القرار الظني. إضافة لتبلور عملية استقطاب واسعة داخل البنية السياسية اللبنانية ووجود خريطة سياسية جديدة للتحالفات، فبعض عمليات الشحن السلبية التي قابلت ذلك يمكن أن تجهض التحرك العربي، إذا لم تتمسك أطرافه بأهمية الحفاظ على المكتسبات التي تمت بالقمة الثلاثية في بيروت.
وقد بدا ذلك في وجود الولايات المتحدة الأمريكية بشكل علني في الأزمة كطرف ضاغط، حيث عقدت ميشيل شي سون السفيرة الأمريكية في لبنان اجتماعا مع سمير جعجع زعيم حركة الفوات اللبنانية، أكدت فيه دعم بلادها الكامل لجهود المحكمة الدولية. ويفصح ذلك أن هناك أطرافا لبنانية تريد إفساح المجال للتعاون مع المحكمة الدولية وهي الأكثر اقترابا لمحور واشنطن – تل أبيب، لدرجة إن البعض يرى الأمر مثيرا للشك والريبة، ويشير إلى أن لبنان مقبل على خطر كبير، فحرص جعجع على دعم محكمة الحريري، ربما يفوق حرص سعد الحريري نفسه، وفي نفس الوقت تدور التكهنات بهذا الأمر حول عدة محددات:
أولها: خطة شاملة تشارك فيها إسرائيل والأطراف الموالية لها، لإفشال التحرك العربي، وما ينطوي عليه من تقارب سوري ــ سعودي بذلت كثير من المساعي العربية والإقليمية ومن أجل تحقيقه، وهو ما تخوفت منه إسرائيل لما يمكن أن يحدثه من تقارب سوري ــ سعودي فيما يتعلق ليس فقط بلبنان، بل بالقضية الفلسطينية والصراع العربي ــ الإسرائيلي كاملا.
ثانيها: استطاع الضغط الأمريكي والإسرائيلي النيل من قدرة الدبلوماسية اللبنانية، وإفشال أي احتمالات لصعود الصراع اللبناني ــ اللبناني مرة أخرى، عندما قامت الفوات الإسرائيلية بالاشتباك مع الجيش اللبناني، وإيجاد المناوشات على الجبهة المصرية، بافتعال أزمة مع مصر سببها إطلاق صواريخ غير معلومة المصدر.
ثالثها: الضغط الأمريكي على الرياض بشكل كبير، وهو ما يظهر من إعلان الجنرال جيمس مايتس الذي سوف يتولى بدلا من الجنرال ديفيد بترايوس منصب قائد القيادة الوسطى الأمريكية، عن خطة سوف تعتمدها الولايات المتحدة الأمريكية، إزاء لبنان خلال فترة توليه تتضمن: تعزيز قدرات الجيش اللبناني من أجل القيام بفرض سيطرته الكاملة على الطوائف والفصائل المسلحة اللبنانية، ودعمه بما يتيح له التوازن الذي تبغاه أمريكا في مواجهة القدرات السورية مضافة بقدرات حزب الله.
يؤكد هذا أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل لن تسمح لأي تحرك عربي استباقي تحقيق أي نجاح بالملف اللبناني، إلا إذا كان معتمدا على مبادئ وقواعد ترسيها هي، وتتحرك من خلالها الأطراف العربية.. خاصة أن مصر الدولة العربية ذات العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقة السلام البارد مع إسرائيل، لم تؤكد رغبتها على خلفية العلاقات المصرية ــ السورية، التي لم ترق لمستواها الطبيعي بعد لإحياء هذا المحور الجديد في لبنان. وتأسيسا على ذلك فإن الساحة اللبنانية ستشهد المزيد من التدخل بهدف تحجيم المظلة العربية عن طريق دعم الجيش اللبناني، ليس فقط تسليحا، وإنما العمل أيضاً على تغيير عقيدته الدفاعية، بحيث تؤدي إلى اعتماد عقيدة بديلة تؤسس على مكافحة العنف والفصائل المسلحة وليس مواجهة إسرائيل، والذي يفضي في النهاية لوجود جيش غير قادر على مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية وحماية لبنان، وإنما جيش له عقيدة قتالية مذهبية طائفية، يكون عمله بالدرجة الأولى القضاء على فصائل المقاومة الوطنية اللبنانية من أجل تفكيك قدرات حزب الله وحركة أمل، ومدى الاستفادة من التجربة الإسرائيلية في مواجهة الفصائل الفلسطينية، تجاه حزب الله وبقية المقاومة الوطنية اللبنانية.
وعلى هذا، فإن الجميع يجب أن يفهم جيدا بأن القرار الظني للمحكمة مرتبط ارتباطا وثيقا برسالة موجهة للرأي العام اللبناني، مفادها أن على اللبنانيين الوقوف لجانب القوى اللبنانية المدعمة من واشنطن وتل أبيب، وأن على دول المنطقة التي تتعامل مع الملف اللبناني الآن أن تضع في اعتبارها الحضور الإسرائيلي، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك مدى حاجة إسرائيل للمحكمة الدولية. إذن فإن إسرائيل موجودة في لبنان بقوة، وأن المحكمة ليس هدفها الأساسي معاقبة أو ملاحقة الذين أودوا بحياة الحريري، وإنما ملاحقة خصوم إسرائيل وتحديدا حزب الله وحلفائه بالداخل والخارج، على خلفية أدائه المميز تجاه القضاء على قوة الردع الإسرائيلية في حرب صيف 2006، وأن المحكمة هي الأداة البديلة للآلة العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله.
لا يمكن الحديث عن الملف اللبناني والتأثيرات الحادثة فيه دون التطرق للدور الإيراني في لبنان، فالمصالح الإيرانية في لبنان باتت نوعين: مصالح ترتبط بطابع الدولة الإيرانية باعتبارها دولة دينية لها توجه عقائدي، وأخرى تتصل بدورها الإقليمي وطموحاتها حتى يكون هذا الدور مركزيا بما يجعلها القوة الكبرى بالمنطقة. إضافة لكون المصالح الإيرانية بلبنان والتي تمر عبر حزب الله بالأساس ليست فقط في مجرد الاحتفاظ بأداة ردع ضد أي هجوم محتمل ضدها، كما أن إرباك المعادلات الداخلية في لبنان، ليست هدفا إيرانيا في حد ذاته، وإنما قد يكون وسيلة في بعض الأحيان من الوسائل التي قد تفيد في تحقيق أهداف تتعلق بدورها الإقليمي، في مقابل دول الاعتدال العربي، حيث رسمت سياساتها بالمحيط العربي والإسلامي على قاعدة بناء نظام إقليمي عربي جديد وتحقيق الأمن القومي العربي والتعاون بين البلدان العربية والإسلامية من خلال مبادرة السلام العربية، ومحاولات احتواء المقاومة، المدعومة من إيران، ويظهر من تنوع الدعم الإيراني لحزب الله وشموله، والذي من خلاله تم تحقيق مصالح عربية، كما أن الدور الإيراني بالمنطقة لا يخدم فقط المصالح الإيرانية بالأساس، وإنما يقدم دعما للمصالح العربية أيضا في لبنان، خاصة لدولة مثل سوريا.
وتقوم سياسة إيران في لبنان خصوصا على اعتبار وجود عوامل ضغط إقليمية في مواجهة محاولات الولايات المتحدة الأمريكية عزلها وحصارها وإجبارها على الدخول في مقايضة بحيث تغير واشنطن سياساتها واستراتيجيتها المحتملة تجاه إيران والداعية لتوجيه ضربة عسكرية. ومن ثم فإن نشوب حرب واسعة النطاق بين إسرائيل وجبهة عربية واسعة تضم سوريا، وحزب الله، وحركة حماس، وما يمكن أن يؤدي إليه من تدخل دولي كثيف لفرض تسوية نهائية للصراع العربي ــ الإسرائيلي، الذي يحرم إيران من فرصة المساومة مع واشنطن بالملفات العالقة بينهما.
وفيما تسعى إسرائيل لتوجيه رسالة تؤكد وجودها في الملف اللبناني، فإن إيران تقف من نفس المسافة بهذا الملف، ولكن بحسب العلاقات اللبنانية ــ السورية يمكن التعويل على الدور العربي كمظلة أساسية لتبني الملف اللبناني، وإنهاء أي توجس لبناني تجاه الوجود السوري في لبنان، خاصة بعد التقارب السوري ــ السعودي الذي جعل من سوريا مؤثرا ذات تفاعلات جديدة مع لبنان غير التي عرفناها في مرحلة سابقة لرئاسة حافظ الأسد، والتي ترسي لقواعد جديدة فيها التوافق أكثر من التباعد. وبما يمكن لبنان من تجاوز أي عوامل مؤدية لصراع داخلي أو مواجهة مع إسرائيل، إضافة لعدم استغلال القرار الظني للمحكمة الدولية من أجل انفجار الحرب الأهلية بلبنان من جديد، وهو ما يشير إلى أن عهدا جديدا في علاقات الأطراف المؤثرة في لبنان قد بدأ شاءت القوى الرافضة أم أبت.
من جهة أخرى، فإن التوازن الحالي لعلاقات سوريا مع السعودية وإيران يعطيها مصداقية أكثر مما سبق تجاه استقرار لبنان وأمنه، وأن يؤثر في حزب الله الذي يدين بالولاء الأكبر لإيران ولها، وأن يدرك نصر الله لغة الحوار بدلا من لغة التهديدات والإلزام.. إلا أن ما أعلنه من تقديمه قريبا لوثائق تؤكد ضلوع إسرائيل في عملية اغتيال الحريري هو الذي سيحسم الأمر بالدليل والبرهان وليس شيئا آخر، وليؤكد ما إذا كان السلام في لبنان مرهونا بقرار المحكمة من عدمه.