جمال إمام:-- كل المؤشرات تؤكد أن لبنان على أعتاب مرحلة دقيقة وأنه يواجه خيارات صعبة على الصعيدين الداخلي والخارجي.. فالأجواء السياسية ملبدة بالغيوم بسبب ترقب صدور قرار المحكمة الدولية بتوجيه الاتهام في قضية قتل رئيس الوزراء رفيق الحريري في سبتمبر القادم..
ويبدو أنه سيكون خريفا يحمل الكثير من المتغيرات من المؤكد أنها ستمتد لتشمل خريطة الشرق الأوسط خاصة وأن هذه الأجواء كشفت عن ارتفاع درجة الاحتقان بين قوى 14 آذار الذي يقوده تيار المستقبل وقوى المعارضة التي يقف خلفها حزب الله بسبب تسريبات عن عزم المحكمة الدولية توجيه الاتهام لعناصر في الحزب بمسؤوليتها في اغتيال الحريري وهو ما أدى إلى توتر العلاقات بين أجنحة الحكومة المختلفة وبات الوضع أقرب إلى أجواء فقدان الثقة نتيجة الاتهامات المتبادلة والتهديد بالتصعيد وربما المواجهة الأمر الذي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار وقد يشعل الفتنة من جديد في لبنان.
الوضع على الجبهة العسكرية على الحدود الجنوبية ليس بأحسن حال مما يجري في بيروت فالمناوشات الأخيرة بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية التي حاولت عبور الحدود عند قرية العديسة يعطي مؤشرا على سيناريو مكتوب بعناية يتضمن إشعال الجبهة الداخلية بفتنة ما يسمى بالقرار الظني للمحكمة الدولية نجح في تأجيج المشاعر والمخاوف لدى حزب الله الذي أعلن رفضه التام لأي محاولة من هذا القبيل .
في هذا السياق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستبعد متغيرات مهمة في المشهد اللبناني يمكن أن توضح المحاور الأخرى التي يقوم عليها مثل هذا السيناريو في مقدمتها:
• التحريض على نسف العلاقات اللبنانية الفلسطينية في ضوء مناقشة قرار منح بعض الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين في المخيمات وخاصة حق العمل الذي يتم التحضير له في مجلس النواب اللبناني ربما في خطوة استباقية لما يمكن أن تكون عليه التسوية الفلسطينية الإسرائيلية التي ربما تسفر عنها محاولات عقد المفاوضات المباشرة التي تسعى إليها الولايات المتحدة وتحاول السلطة الفلسطينية تأمينها من خلال ضمانات مكتوبة بالاعتراف بحدود عام 67 الأمر الذي قد يثير حفيظة قوى سياسية لبنانية وخاصة القوى المسيحية المنضوية تحت لواء قوى 14 آذار ترفض تغيير الوضع القانوني للفلسطينيين داخل المخيمات بما يسمح بانشقاق في مواجهة انتقادات حادة من حزب الله لتيار المستقبل بما يخلط الأوراق ويغرق لبنان في دوامة من الفوضى السياسية.
• يساعد في ذلك ما خلفه الاختراق الإسرائيلي الكبير لقطاع الاتصالات اللبناني والإعلان عن سقوط عملاء جدد للموساد بما يجعل الأمن القومي اللبناني في حالة انكشاف وضعت لبنان في حالة ترقب شديد للطريقة التي ستتعامل بها الدولة مع هؤلاء العملاء خاصة وأن هناك تصميم هذه المرة على ضرورة تنفيذ أحكام بالإعدام بحق من تثبت إدانته ورفض أي أحكام مخففة كما حدث مع المتعاونين مع إسرائيل في أعقاب تحرير الجنوب اللبناني في إطار ما وصف وقتها بفتح صفحة جديدة وهو ما أكد عليه الرئيس اللبناني من أنه سيوقع أي أحكام بالإعدام تعرض عليه من القضاء.
• النقطة الأخطر هي التي تتعلق بالمخاوف من تسييس قرار المحكمة الدولية باتهام عناصر من حزب الله بالضلوع في اغتيال الحريري بما يعني إبعاد صفة المقاومة عن حزب الله واعتباره منظمة إرهابية بما يسمح بقيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لتفكيكه من ناحية وإضعاف حليفه سوريا من ناحية أخرى بما يصب في مصلحة إسرائيل بإجبار سوريا على الدخول في مفاوضات وفق شروط إسرائيل.
• العمل على تصفية حماس بتوجيه ضربة عسكرية أخرى تسمح بتمرير التسوية السياسية مع السلطة الفلسطينية والتخلص من عبء الضغوط السياسية الدولية التي تتعرض لها إسرائيل نتيجة استمرار الحصار على القطاع.
والواقع أن السيناريو لا يحقق فقط الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل فحسب بل يساعدها في الخروج من أزمتها السياسية الداخلية التي تهدد الائتلاف الهش الذي يقوده نتانياهو وأي ائتلاف قادم تفرزه أي انتخابات لا يحقق فيها أي حزب الأغلبية المطلقة في الكنيست حيث تظل الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة تمثل ضغطا على شركائها في الحكم الذين يريدون التخلص منها بحركة باتجاه الأمام ربما يجدونها في قرار المحكمة الدولية.
لكن من المؤكد أيضا أن هذه الأحلام الإسرائيلية ليست وردية بقدر ما هي صعبة ومستحيلة أيضا فسوريا وحزب الله وإيران لن تقف مكتوفة الأيدي وإسرائيل التي تقدم خطوة وتؤخر أخرى تدرك جيدا الفاتورة الباهظة التي عليها أن تدفعها في حال نشوب حرب مع حزب الله حيث التهديدات واضحة من سوريا وحزب الله بضرب كل شمال إسرائيل والمراكز الصناعية والسكانية في حرب صواريخ شاملة.
أما على الجانب القانوني فمن المؤكد أن سيطرة عملاء إسرائيل على شبكة الاتصالات «ألفا» وامتلاكها لشفرة الداتا سينسف القرار الظني إذا جاء مبنيا على معلومات مستقاة من تلك الاتصالات التي تكون قد تم التلاعب بها من قبل عملاء الموساد ليفقد القرار الظني أهم أركانه في تجريم أطراف بعينها في اغتيال الحريري.
يبقى السؤال ما هو المطلوب من لبنان في المرحلة الحالية؟
إن القراءة الهادئة للتطورات الأخيرة بين رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري وحزب الله تكشف عن سوء إدارة الأزمة التي جاءت عبر روايتين مختلفتين حيث كشف تيار المستقبل أن «الحريري لم يبلغ نصر الله بمضمون القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية بشأن اغتيال والده وإنما تطرق معه إلى المعلومات الإعلامية المتداولة بشأن هذا القرار».
وهو ما يعني أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قد نفى ما جاء في خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله حول قيام الحريري بإطلاعه على قرب إصدار قرار من المحكمة الدولية يشير إلى ضلوع عناصر من حزب الله بالعملية.
في الوقت الذي أكد فيه الأمين العام لحزب الله: أن «لبنان دخل مرحلة حساسة بسبب اقتراب قرار المحكمة الدولية في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري» في إطار ما يعتبره تسييس للقرار.
نقطة الخلاف ليس في تفسير الروايتين والذي تسبب في التراشق السياسي بين الجانبين وإنما في التعامل مع السيناريو الذي ينتظر لبنان ويهدده سياسيا وعسكريا.
هل يمكن أن يتفرغ الجانبان لتبادل الاتهامات التي تزيد من اشتعال الموقف وما هو دور القوى السياسية الأخرى في نزع فتيل الأزمة قبل أن تستفحل..
لقد قدم سعد الحريري مؤشرا مهما على رفضه لوجود فتنة بالتأكيد على أن قضية الاغتيال لن تكون سبباً في اندلاع فتنة مذهبية داخلية وأنه لا مكان لهذه المخاوف أو الادعاءات .
ثم لماذا لا يعمل لبنان على فرضية مسؤولية إسرائيل عن الاغتيال خاصة وأن هناك كثير من الدلائل تشير إلى تورط إسرائيل في اغتيال الحريري بدلا من الحرب الضروس التي يهدد حزب الله بها.
لقد عملت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس السوري بشار الأسد إلى لبنان على تهدئة الأوضاع في لبنان وشكلت انجازا في مسار دعم لبنان واستقراره ووحدته الوطنية ونزعت إلى حد كبير فتيل الأزمة لكن على كل الأطراف العمل على غلق الملف والانتباه للمشروع الإسرائيلي بأبعاده المختلفة على الحدود مع لبنان ومع سوريا ومع الفلسطينيين سواء في الضفة أو القطاع.
حرب الطواحين بين القوى السياسية في لبنان لا تجدي فما يوصف بأنه قرار ظني للمحكمة الدولية مجرد تسريبات وبالون اختبار ..