اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

أبعاد التسييس الحادثة للعدالة الدولية

الثلثاء, 10 أغسطس 2010

عـلاء سـالم - باحث فى العلوم السياسية :-- إذا كان هناك ثمة إقرار عام، بوجود قواعد في القانون الدولي لا يجوز التنصل منها، وتشمل هذه القواعد السامية منع الجرائم والعنف بوصفها انتهاكاً لحق الحياة للآخرين، وللدول شتى الصلاحيات بمحاكمة المتهمين بمثل هذه الجرائم عملاً بمبدأ الصلاحية الشاملة، فإن تطبيق هذه القواعد مازال أيضاً خاضعا للإرادة السياسية لدول بعينها، هي وحدها القادرة على تحريك مجلس الأمن إزاء قضايا من هذا القبيل دون غيرها، وهم ثلاثة تحديداً الولايات المتحدة، وفرنسا وبريطانيا. فهذا التباين بين ما هو حق أصيل للإنسانية في نيل العدالة، والتطبيق الانتقائي لقواعد هذا الحق الجزائية، ما يظهر ليس ازدواجية المعايير التي باتت ليست سمة غالبة على إدارة العلاقات الدولية فحسب، وإنما الأهم أيضاً عمليات التوظيف السياسي الحادثة لقواعد العدالة الدولية في قضايا مثل قتل رئيس وزراء لبنان الاسبق رفيق الحريري، بحيث يخرجها عن مبادئ القواعد السامية، والأهم الحق في معرفة الحقيقة الكاملة وراء هذا الاغتيال.
وقد اعترف بهذه الانتقائية، رئيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كاسيزي في إبريل 2009 حينما سئل عن 1191 لبنانيا استشهدوا وقتلتهم إسرائيل عام 2006 ألا يحق لهم محاكمة عادلة ومحكمة دولية كما هو الحال مع الحريري، فقال..” أنا أوافقك الرأي، لكن هذه السياسة، عليك أن تلوم السياسيين في نيويورك الذين قرروا في جرائم غزة وجنوب لبنان أن لا يأخذوا أي إجراء، وفي حال اغتيال الحريري يأخذون إجراءات، فهذه هي السياسة “.
فإذا كانت هناك محاكم دولية خاصة عقدت في أكثر من مكان كيوغسلافيا، ورواندا في سيراليون، فإن المحكمة الخاصة باغتيال رفيق الحريري وان كانت لها خصوصياتها القانونية لكونها تناقش قضية إرهاب، وليس جرائم ضد الإنسانية، إلا أنها كانت تجسيداً فجاً لما نتحدث عنه من تسييس للعدالة الدولية. يكفي أن نقارن بين تلك المحكمة التي أنشئت بقرار مجلس الأمن رقم 1757 في ديسمبر 2008، ودخلت حيز العمل الفعلي في أول مارس 2009، والمحكمة المماثلة التي أنشئت في يونيو 2009 بعد اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية بي نظير بوتو. فهذه الأخيرة رغم أنها لم تتوصل لشيء مادي وملموس بشأن الجهة التي نفذت الاغتيال، فإن عملها لم يثير كما ونوعية المشاكل التي أثارتها لجنة الحريري، والتي كان آخرها التسريبات الإعلامية التي أعادت قضية الاستقرار اللبناني للبروز من جديد، وأنها على وشك إصدار قرار ظني بإدانة ضابط من حزب الله بالضلوع في حادثة الاغتيال، وليس الحزب كمؤسسة سياسية، عبر ما أسمته بالسلوك غير المنضبط. وهي القضية التي كادت تفجر لبنان من جديد معيدة مشهد نزول حزب الله للشوارع في مايو 2008 على أرضية قضية جهاز اتصالات الحزب، التي أرادت حكومة فؤاد السينورة حينها إدماجه في جهاز الدولة.
فإذا كان فريق 14 آذار، هو المُفجر لهذه الأزمة، شأنه في ذلك شأن أزمة مايو السابقة، إلا أنه تعامل بقدر عال من الحنكة السياسية معها، فعن سؤال طالما شغل اللبنانيين.. هل كان رفيق الحريري يرضى بأن يستعمل اسمه في إعادة تمزيق لبنان من جديد، والقضاء على السلام الهش الذي يعيش تحته منذ الانتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل حكومة وفاق وطني جديدة..؟ فقد أجاب رئيس الحكومة سعد الحريري بالنفي، خلال مؤتمر تيار 14 آذار قبل أسبوعين، إلا أن الإشكالية مازالت قائمة وهي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وقرارها الظني المتوقع صدوره مستقبلاً بعد تحقيقات قاربت على أربع سنوات ونصف منذ إنشاء لجنة التحقيق الدولية بقرار مجلس الأمن عام 2005 عقب اغتيال الحريري في 14 فبراير 2005، برئاسة ديتليف ميليس، بعد تقرير لجنة تقصي الحقائق برئاسة بيتر فيتزجيرالد الذي رفعته للمجلس، يمكن أن يفجر الأوضاع من جديد داخل لبنان.
شأن أزمة مايو، كانت هناك ضغوط دولية للزج بحزب الله في القضية بعدما فشلت جميع المحاولات السابقة في إنهاء الثقل الكبير الذي يتمتع به داخل المعادلة اللبنانية، فتم التحول للمحكمة الدولية بوصفها آخر الأوراق التي ليست لدى أنصار قوى 14 آذار فحسب، وإنما أيضاً الثلاثة الكبار بمجلس الأمن معهم إسرائيل. ومثل هذا التحول الراديكالي في عمل المحكمة الدولية وتحقيقاتها الجنائية يثير أكثر من سؤال، حول المدى الذي بلغه التوظيف السياسي لمبدأ العدالة الدولية التي رفعتها هذه القوى بعد اغتيال الحريري مباشرة، ووجهت ضغوطها على سوريا التي اتهمت صراحة بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وما تلاها من انسحاب من لبنان أشبه ما يكون بالإذلال، كما حدث مع الجيش الإسرائيلي عام 2000 من جنوب لبنان.
فإذا تجاوزنا مبدأ الانتقائية في تطبيق العدالة الدولية حتى داخل لبنان نفسه كما أشار كاسيزي، فإن عمل المحكمة الدولية اتسم بقدر عال من عدم الحيادية والانحراف عن مضامين العدالة التي أتت في مضامين قرار مجلس الأمن الذي أنشأها، حيث دعا للعمل وفق أعلى معايير العدالة الدولية لتحقيق العدالة الجنائية، وإظهار الحقيقة الكاملة في اغتيال الحريري. والتي أكدها تالياً كاتب المحكمة روبن فينسنت في أول يوم لانطلاق عملها من لاهاي..” لسنا هنا من أجل الأمم المتحدة ولا الأسرة الدولية، بل من أجل لبنان، لسنا هنا من أجل مرتكبي الجرائم بل من أجل ضحايا الجرائم “. وهي نفس الرسالة التي أطلقها المدعي العام للمحكمة الكندي دانيال بلمار أمام الصحفيين..” ان السياسة لا تؤثر ولن تؤثر على التحقيق والملاحقات القضائية، بل ستحكمها المبادئ القانونية “.
غير أنه بعد مرور تلك المدة لم تظهر لنا الحقيقة الكاملة إنما قرار ظني، أما تحقق أعلى المعايير الدولية الجنائية في عمل المحكمة فكان في واد آخر، لا لسبب سوى الإصرار على تسييس عملها طوال السنوات الماضية، ومحاولة تحقيق غايات سياسية من جانب الثلاثة الكبار بمجلس الأمن وتحديداً الولايات المتحدة، بحيث استخدمت كفزاعة بالأمس ضد سوريا والأجهزة الأمنية القريبة منها في لبنان، واليوم باتت موجهة لحزب الله. مما يعني أنها على وشك الانضمام للحملة الدولية الموجهة ضد المقاومة العربية لإسرائيل والتي يقف حزب الله في مقدمتها.
فمنذ البداية، والخطوات القانونية الدولية التي اتخذت للكشف عن حقيقة اغتيال الحريري الأب رافقها قدر عال من التناقض والتسييس، بدا معهما أن الغاية من هذا الاهتمام ليس الحريري نفسه، وإنما قميصه الذي بات يشهر تجاه القوى المناوئة للمشروع الأمريكي ــ الإسرائيلي بالمنطقة. ومن ثم عاد لبنان من جديد كساحة للتفاعلات والصراعات الإقليمية والدولية، ولكن هذه المرة تحت غطاء قانوني ــ دولي، انتفت فيه المعايير القانونية السلمية من خلال التسريبات الإعلامية المتزايدة والتقارير التي هتكت السرية عن الشهود، بحيث بدا الأمر كأنه بآزار تجاري. إذ علق وزير خارجية فرنسا دوستو بلازي على أول تقرير قدمه ميليس لجلسة مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2005 بقوله..” أي قانوني مبتدئ يمكن أن يلاحظ أنه يتضمن تجاوزاً لمعايير العدالة ومعايير التحقيقات السرية والمعايير المهنية، فمثلا نشر أسماء أشخاص دون وجود برنامج لحماية الشهود، أحد هؤلاء الأشخاص اغتيل لاحقا جبران تويني، فنشرت إفادته في تقريره دون أن يكون موجوداً “.
في البداية كان الهدف سوريا، وشل أي قدرة لها للعمل الحر داخل لبنان وخارجه، وهي المهمة التي تكفلت بها لجنة التحقيق الأولى التي ترأسها ديتليف ميليس، وحدث ما حدث طوال الفترة التالية لاغتيال الحريري حتى قرار مجلس الأمن بتشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي أطلقت سراح الضباط اللبنانيين الأربعة بعدما تبين لها تناقض شهادة الشهود، والتي بدا بعضهم مدسوسا بغرض توريط سوريا وهؤلاء الضباط اللبنانيين.
وفي النهاية لم تصل اللجنة لشيء، فعوضاً عن وقف إجراءات التحقيق الجنائي، استمرت في نفس الآلية ولكن هذه المرة تحت مظلة أكبر هي المحكمة الدولية. والمثير في تلك الفترة سلوك الحكومة اللبنانية السابقة، التي طلب رئيسها السينورة في خطابه للأمين العام للأمم المتحدة، إدراج لبنان تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة بما يعنيه هذا من فرض وصاية مجلس الأمن عليه، في تجاوز وانتهاك كبير للسيادة اللبنانية، بعد شكواه المريرة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وسلوك حزب الله، وهو ما يعني في التحليل النهائي طلب التدخل الدولي لحسم معركة النفوذ، التي مالت كثيراً لصالح قوى 8 آذار المعارضة.
وكانت تركيبة المحكمة أيضاً في غاية الدهشة، فالقاضي بلمار الذي لم تصل لجنته لشيء ملموس، واتهم بالتحيز والخضوع للتوظيف السياسي من قبل الولايات المتحدة، عين مدعيا عاما في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بل أن السؤال الكبير بدا بدون إجابة حتى الآن: هل تستحق جريمة اغتيال الحريري محكمة دولية هذا الثقل، على غرار يوغسلافيا وسيراليون..؟ فإذا كان قرار إنشاء المحكمة قراراً سياسياً، فإن عملها كان يجب أن يكون قانونيا ــ جنائيا بحتا، غير أن الحال كان مختلفا، بعد ان بات عملها أكثر تسييساً حتى بالمقارنة مع لجنتي ديتليف ميليس، ودانييل بلمار. أضف لذلك أن مجلس الأمن لم يوفر الاستقلالية التامة لشخوص وقضاة تلك المحكمة لمنع إمكانية التأثير عليهم من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
بل الأكثر إثارة أن المحكمة الدولية، لم يكن لها أدنى دور في معالجة الإخفاقات وعمليات تضليل العدالة التي مُورست من جانب هاتين اللجنتين من قبل. فعلى الرغم من إدراك المحكمة لخطأ احتجاز الضباط اللبنانيين لمدة أربع سنوات بسبب شهادات زور، أو حسب توصيف المحكمة “ ليسوا ذي مصداقية “، فإنها لم تكلف نفسها عناء محاسبة لجنة التحقيق الدولية التي ساهمت في هذا التزوير، بل أعلنت قراراً بدا سياسياً أكثر منه قانونياً، أنها ليست لها الصلاحية القانونية لمحاكمة شهود الزور لتحقيق أحد أهم أسس تشكيلها هو معرفة الحقيقة الكاملة في عملية الاغتيال.
وتلك المحكمة دخلت في صمت حكيم طوال العامين الماضين، ولكن فجأة وبعد فشل قضية صواريخ سكود التي اتهمت سوريا بتهريبها لحزب الله في مايو الماضي، بدأت التسريبات الإعلامية من جانب جرائد لها ثقلها العالمي مثل ديرشبيجل الألمانية، ولوموند ولوفيجارو الفرنسيتين عن إمكانية توجيه الاتهام لعناصر من داخل حزب الله بالضلوع في عملية الاغتيال. والسؤال أين كان حزب الله طوال السنوات الأربع والنصف الماضية، ولماذا فجأة قفز اسمه في حيز المحكمة..؟
والغرض الرئيسي من تلك التسريبات التي تمت عن عمد بموافقة ورغبة أمريكية، جس نبض حزب الله على أي قرار محتمل بهذا السياق، وقياس تداعياته على الاستقرار والأمن في لبنان. والغاية هنا هي الإرباك السياسي للحزب، فهو إن كان قد استند إلى المصلحة الوطنية في قضية جهاز الاتصالات في أزمة مايو 2008، وهي مصلحة أكدتها الأيام بالكشف عن عمليات الاختراق الخطيرة التي تمارسها إسرائيل لبنية وأجهزة الاتصالات الرسمية والخاصة اللبنانية، غير أنه هنا يصعب عليه تكرار نفس المشهد، فهو بتلك الحالة في موضع الاتهام والضلوع في اغتيال شخصية مازال يحترمها ويقدرها اللبنانيون بمختلف طوائفهم ومشاربهم السياسية، حتى في أدنى مستوياتها الحديث عن حدوث عدم انضباط تنظيمي خارج لبعض القادة الميدانيين عن الخط العام للقيادة العليا، لكونه أيضاً يحمل إساءة أكبر للحزب الذي عرف عنه الانضباط الكبير.
وقد عبر هذا التسييس عن نفسه وبشكل ضمني في موجة الاستقالات، التي شهدت المحكمة الدولية على نحو لم نره من قبل في محاكم مماثلة. فكاتب المحكمة فنسنت التي اعتبرها ستنجز أفضل إنجاز في حياته المهنية، استقال فجأة وبعد شهور من بدء عمل المحكمة، بسبب خلافات كبيرة مع بلمار، إذا كان لم يفصح عنها، فإن التسريبات التي يعتقد أن هذا الأخير وراءها، والانتقائية في متابعة الشهود، كلها أمور جعلت من الإنجاز الذي يطمح إليه غير ذي بال. وحل محله الأمريكي دافيد تولبرت، الذي استقال هو الآخر بزعم الحصول على وظيفة أفضل، وتبعه القاضي هاورد موريسون، وهي استقالات لم تعلن المحكمة الأسباب الحقيقية لها حتى الآن.
في النهاية، فإن المحكمة في ورطة كبيرة، فبعد عمليات التسييس والأموال التي كانت عربية بالأساس ومُول إنشاؤها وعملها لم تفض إجراءاتها لشيء ملموس حتى الآن، فلم لا يوظف حزب الله الذي أخفقت جميع عمليات إزاحته من قبل، وأن يكون الهدف الجديد والأخير لتلك المحكمة التي طالت بدون عائد حقيقي منها، وبعدها تنهي إجراءاتها بعد أن تكون قد رمت بورقة أخطر ما تكون، يمكن توظيفها سياسياً لسنوات قادمة ما دامت مقاومة حزب الله باقية وقدرته على تهديد إسرائيل مستمرة.
والغاية هنا هي مقايضة ورقة الاتهام الظني بالحصول على تنازلات سياسية داخل لبنان وخارجه. ولكن خطورة اللعب بتلك الورقة ربما تهدد لبنان ككل، من خلال إشعال فتنة، يصعب كبحها مستقبلاً داخل لبنان وخارجه. فحزب الله أن كان قادراً على إدارة معركة قانونية مع المحكمة حول المسبب في حادثة الاغتيال، إلا أنه في نفس الوقت بخلاف سوريا، لديه القدرة على إدارة معركة في الشارع اللبناني ضد خصومه، وحسمها لصالحه، وهو ما يمثل تهديدا لم يعيره هؤلاء الذين تدخلوا في عمل المحكمة، حقه الكبير.