اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

عواصف محكمة الحريري تهدد طوائف واستقرار لبنان

الثلثاء, 10 أغسطس 2010

هاني بدر الدين - باحث فى العلوم السياسية :-- قبل عدة سنوات، التقيت أحد أصدقائي اللبنانيين الذي كان قد التقى لتوه مع حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني، السياسة كانت غالبة على حوارنا، وكانت مفاجأة لي ما نقله عن نصر الله ومدى تمكن حزب الله من السيطرة على بلاد الأرز، صديقي نقل عن نصر الله – على حد قوله - أنه وضع يده في الجيب العلوي لجلبابه مخرجا قلما وقال: « لبنان في جيبي مثل هذا القلم». ربما كان ذلك هو أفضل تلخيص لحالة لبنان الآن، فحزب الله ليس فقط حزبا سياسيا له ذراع عسكري، ولكنه بالفعل اقرب إلى دولة قائمة بذاتها داخل الدولة اللبنانية، ومع قرب إصدار المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني، الذي لقي مصرعه بتفجير أطاح بموكبه في 14 فبراير عام 2005، مع وجود تلميحات بتورط عناصر من حزب الله في عملية الاغتيال يصبح لبنان على شفا الهاوية، فقرار مثل ذلك ربما تكون تبعاته أشد من زلزال اغتيال الحريري نفسه.
فمن جهة، فإن اتهام عناصر من حزب الله بالتورط في اغتيال الحريري، سيطيح بشعرة معاوية التي تحكم العلاقات الفاترة ما بين الفرقاء السياسيين في لبنان، وفي مقدمتهم تيار المستقبل الذي يترأسه الشيخ سعد الدين الحريري رئيس الوزراء الحالي، والذي خلف والده على الزعامة السياسية لأكبر تيار سني في بلاد الأرز. فمنذ اغتيال الحريري الأب والعلاقة ما بين الابن وحزب الله تتميز بالفتور، كما أنها شهدت تلبدا كثيفا بسبب أزمة الوجود السوري، حيث قاد تيار المستقبل حملة شعواء للمطالبة بخروج القوات السورية وإنهاء النفوذ السوري بلبنان، وهي الحملة التي انضمت لها أطراف لبنانية عديدة مثل الدروز بقيادة وليد جنبلاط، وحزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع بالإضافة للرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل. وفي الجهة الأخرى ظهر تحالف ضم حزب الله الشيعي والذي يتحالف بصفة دائمة مع حركة أمل الشيعية التي يتزعمها نبيه بري السياسي اللبناني المخضرم ورئيس مجلس النواب، والتيار الوطني الحر بزعامة ميشيل عون.
وإذا كانت أزمة إنهاء الوجود والنفوذ السوري في لبنان، قد استطاعت في وقت سابق أن توجد تحالفات قوية ما بين قوى 14 آذار، في مقابل قوى 8 آذار، ولكن السؤال الأهم الآن هو ما شكل التحالفات، والتحالفات المضادة التي يمكن أن تفرزها أزمة اتهام عناصر بحزب الله بالتورط في اغتيال الحريري.
فمن جانبه يتمسك تيار المستقبل بمحاكمة المتهمين باغتيال الحريري مستبعدا أن تؤدي إلى تفجير فتنة في لبنان، حيث أكد سعد الحريري، في افتتاح المؤتمر التنظيمي الأول لتيار المستقبل في نهاية شهر يوليو المنصرم أن تمسكه بالمحكمة الدولية لمحاكمة قتلة والده «غير قابل للتأويل أو المساومة»، لكنه أكد في الوقت نفسه أن قضية اغتيال رفيق الحريري «لن تكون سببا في اندلاع فتنة» في لبنان. أقوال الحريري قد تبدو متعارضة بعض الشيء، فإذا كان يتمسك كما يقول بالمحكمة واصفا إياها بأنها «جزء لا يتجزأ من قرارات الحوار الوطني اللبناني ومن البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة بعد جريمة الاغتيال»، فكيف يمكن أن يتصور أحد ما يقوله الحريري من نفيه المطلق لأي تصور بأن تؤدي المحكمة لاندلاع أزمة لبنانية أو فتنة مذهبية، فالساحة اللبنانية تنقسم وبسهولة لأسباب أقل من هذا.
وإذا كان الحريري يستبعد الفتنة، فإن حزب الله يتوقعها، حيث قال الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله إن القرار الظني المتوقع صدوره عن المحكمة الدولية نهاية العام الحالي هو «مشروع فتنة»، مضيفا: «هذه الفتنة يصنعها من يتهمنا ومن يضعنا بهذا الموقف زورًا وعدوانًا، ونحن عندما نرفع الصوت إنما نرفعه محذرين من الوقوع في الفتنة». ولذا فإن اتهام عناصر من حزب الله له العديد من المشاهد، وإن كان من الصعب تخيل المشهد المسلح، لا لشيء إلا لإدراك جميع القوى اللبنانية أنه سيكون خاسرا وشبه محسوم لصالح حزب الله.
فاستبعاد الحريري لوقوع فتنة في لبنان بسبب محاكمة قتلة والده قد لا يكون نابعاً فقط من حرصه على اللحمة الوطنية، وربما يكون جاء إدراكا لمدة قوته الحقيقية على الأرض بعد الدرس الغليظ الذي لقنه حزب الله وحركة أمل لقوى 14 آذار في مايو 2008، حيث اجتاحت عناصر حزب الله وحركة أمل العاصمة بيروت في مشهد شبيه إلى حد كبير بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007، وبكل سهولة تمكنت خلال ساعات قليلة من السيطرة على معظم أحياء بيروت، وكان لافتا أن الجيش وقوى الأمن اللبنانية وقفت موقف المتفرج ــ إلى حد ما ــ من سيطرة حزب الله على العاصمة بعد ما وصف بأنها اشتباكات ما بين أنصار تيار المستقبل وحزب الله، واكتفت قوى الأمن بمحاولة وقف الاشتباكات وكذلك استلام مقرات تيار المستقبل من حزب الله بعد سيطرته عليها لتقوم بدورها بتسليمها لأصحابها، وحيادية قوى الأمن والجيش بهذه الاشتباكات، قد تكون محسوبة لها باعتبار أنها لا تريد التدخل في صراعات داخلية، ولكن عدم تدخلها يعني أنها لن تكون طرفا يمكن للقوى السياسية اللبنانية أن تعول عليه في الصراعات الداخلية.
فقد تكون كافة القوى السياسية في لبنان تحتفظ لنفسها ببعض الأسلحة لأغراض دفاعية، ولكن ذلك لا يقارن بأي حال من الأحوال مع الآلة العسكرية القوية لحزب الله الذي يعد جناحه العسكري قوة عسكرية تفوق بمراحل الجيش اللبناني عددا وعدة.
من جهة أخرى وفي إطار التحالفات، فإن هناك طرفا لا يمكن إغفاله داخل الساحة اللبنانية وهو الطرف الفلسطيني، الذي سيعاني هو الآخر انقساما كبيرا حول محاكمة الحريري وإمكانية اتهام عناصر في حزب الله بالتورط بها، فهناك فصائل فلسطينية محسوبة بشكل أو بآخر على حزب الله مثل حماس والجهاد والجبهة الشعبية والديمقراطية، وتلك الفصائل تمتلك قوة داخل الساحة اللبنانية ولدى بعضها معسكرات تدريب عسكرية، في حين أن هناك فصائل أخرى ربما تكون أكثر ميلا للتحالف بشكل أو بآخر مع تيار المستقبل وفي مقدمتها حركة فتح. ومع استبعاد المشهد العسكري، فإن مثيله السياسي قد يكون هو الأرجح، فحزب الله بدأ من جانبه في محاولة صرف الأنظار باتجاه إسرائيل ملقيا اللوم عليها في جريمة اغتيال الحريري كما ذكر نصر الله في خطابه الأسبوع الماضي معتبرا أن هناك أدلة على ذلك، في مناورة يسعى حزب الله من خلالها لتبرئة عناصره. إلا أن أقوال نصر الله ارتدت ضده، حيث وجه له خصومه السياسيين تساؤلات محرجة عن سبب عدم كشفه عن تلك الأدلة التي تدين إسرائيل طوال تلك السنين منذ اغتيال الحريري.
وفي حالة توجيه المحكمة لاتهامات لعناصر من حزب الله فإن الخطوة التالية ستكون في ملعب الحكومة اللبنانية التي تضم وزراء من حزب الله، حيث ستكون حكومة الحريري في موقف لا تحسد عليه، فهي لن تستطيع أن تتجاهل اتهامات المحكمة الدولية لعناصر حزب الله، كما أنها لن تستطيع اعتقال هؤلاء المتهمين، وسيكون عليها أن تسير عبر طريق الأشواك بمحاولة إقناع الحزب بتقديم العناصر المتهمة للعدالة للتحقيق معها، وهي الخطوة التي ستضع الحزب في امتحان حقيقي وستكشف مدى التزامه بالقوانين اللبنانية. ومن المنطقي أن لا يقبل الحزب بصدور قرار الاتهام الظني من الأصل، قبل أن يقال ان الحكومة سترفضه، لأن الإدانة الدولية ستسبق القرار الحكومي الذي سيكون عرضة للجدل الداخلي، كما أن احتمال إقدام الحكومة على مثل هذه الخطوة غير مضمون، وإذا حصل فإنه لن يحظى بإجماع الأطراف السياسية الممثلة فيها.
وبطبيعة الحال فإن الحزب سيكون بإمكانه سرد العشرات من الحجج للتذرع بها لعدم تقديم عناصره للمحكمة، مثل أن المحكمة مسيسة وليس لديها مصداقية حقيقية، بالإضافة لاتهام الحزب لإسرائيل بالوقوف وراء الجريمة، وربط تقديم عناصره بتقديم إسرائيل للمتهمين من مواطنيها، وغيرها من المناورات والذرائع للتهرب من تنفيذ الالتزامات، وسيجد الحزب بجانبه العديد من الحلفاء الذين دأبوا على التحالف معه، بينما ستكون حكومة الحريري في مأزق صعب وقد يتكرر تعطل حكومة رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة التي عطلها انسحاب الوزراء الشيعة من حزب الله وأمل في 11 نوفمبر 2006 بسبب قلقهم من تعاون الحكومة مع المحكمة الدولية.
فحزب الله بدأ منذ نهاية شهر يوليو الماضي في حملة للتشكيك في المحكمة معتبرا أن جميع المحققين الدوليين ومساعديهم هم على علاقة بالموساد الإسرائيلي، في خطوة تهدف للتشكيك في المحكمة وبالتالي التشكيك في القرار الظني المنتظر باتهام أعضاء بالحزب، وتواكب ذلك مع كشف إسرائيل عن اسم مصطفى بدر الدين القيادي البارز بحزب الله وصهر عماد مغنية قائد الجناح العسكري للحزب الذي اغتالته إسرائيل بتفجير سيارته في دمشق في شهر فبراير 2008، باعتبار أنه الشخص الذي ستوجه له المحكمة الدولية اتهاما بالتورط في اغتيال الحريري.
كذلك فإن الجنوب اللبناني قد شهد خلال الفترة الماضية ما يمكن اعتباره بأنه رسالة تهديد قوية، حيث تم اعتبار ما شهده الجنوب اللبناني من تململ ضد قوات «اليونيفيل» وخاصة الوحدة الفرنسية باعتباره رسالة موجهة من حزب الله الذي يسيطر بشكل شبه تام على جنوب لبنان للمجتمع الدولي يحذره فيها من مغبة زج اسمه في جريمة اغتيال الحريري وما قد تتعرض له «اليونيفيل» من مخاطر جراء ذلك.
إلا أن هناك عنصرا خارجيا مهما قد يكون له تأثير كبير على التحالفات الداخلية بالساحة اللبنانية، فالإدارة الأمريكية السابقة في عهد جورج بوش الابن كانت تنتهج منهجا معاديا ضد سوريا مما دفعها لاتخاذ مواقف راديكالية ضدها. وهو ما جعل بعض الأطراف بالساحة اللبنانية ــ مثل جنبلاط ــ تعتمد على هذا العنصر في تحالفاتها الداخلية حيث بنت تحالفاتها بناء على اتخاذ مواقف متطرفة ضد سوريا. وهو السبب الذي كان دافعا وراء الهجوم الشرس الذي شنته بعض القيادات اللبنانية ضد سوريا إبان حملة المطالبة بخروج القوات السورية وإنهاء النفوذ السوري بلبنان. ومع مرور الوقت أدركت تلك القيادات أن ما سمعوه من أركان إدارة بوش بالسعي للإطاحة بحكم الأسد مثلما حدث مع حكم صدام حسين ما هو إلا أوهام لن يكون لها أي أساس، ومن هنا بدأت تلك الأطراف تغير من لهجتها المعادية ضد سوريا لتتخذ مواقف مهادنة، وبعدها قاموا بتنفيذ مصالحات تاريخية مع دمشق، وبالتالي فإن الساحة اللبنانية الآن تدرك جيدا أن التعويل على أي طرف خارجي ضد سوريا وحلفائها داخل لبنان لن يفيد، ومن هنا فإن أي هجوم أو انتقاد في الفترة القادمة ضد حزب الله ربما يكون أهدأ كثيرا.