اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

السودان بين الانفصال والكونفدرالية

Sat, 31 يوليو 2010

أمين محمد أمين
كما هي العادة العربية التحرك في آخر لحظة بمحاولات يائسة لإنقاذ الفرص الضائعة.. ولعل أوضح وأحدث مثل على ذلك هو ما يشهده السودان الشقيق حالياً من سباق بين الطرفين في جنوبه وشماله لتعزيز توجهات كل منهما نحو الانفصال والذي يدعمه عدد من القيادات في الشمال والجنوب، إلى جانب حركة شباب الجنوب التي تطالب بالإسراع بالانفصال الآن وعدم انتظار نتائج الاستفتاء على تقرير المصير الذي من المقرر إجرائه في التاسع من شهر يناير المقبل.
وفي حركة شباب الجنوب الداعية للانفصال أعلن الحزب الحاكم بالسودان برئاسة الرئيس عمر البشير تشكيل هيئة قومية عليا من أجل تعزيز خيار الوحدة، ومن المنتظر أن تشهد السودان حركة غير عادية خلال الأشهر الخمسة القادمة لتنفيذ عدد من المشروعات التنموية في الجنوب والتي أهملها على مدى أكثر من 20 عاما من الحرب الأهلية.. أنه سباق مع الزمن ومحاولة يائسة لتدارك أخطاء قديمة لم تقتصر على إهمال التنمية في الجنوب، ولكنها ممتدة إلى مناطق أخرى من بينها بالطبع منطقة دارفور التي غابت هي أيضا عن مشروعات التنمية حتى بدأت تتفجر بالمشاكل..
بعد سنوات من الانتظار أعلنت الحكومة السودانية بدء تنفيذ برامج التعليم الأساسي والثانوي والتأهيل لإنشاء جامعتي رومبيك وجامعة د. جارانج مؤسس الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان (الوحدوي) إلى جانب تقديم خدمات المياه الصحية وإنشاء الطرق والسكك الحديدية والنقل النهري وبناء المستشفيات والمدارس وحفر الآبار وذلك بقيمة 200 مليون دولار.. هذه المشروعات التي تأخر تنفيذها كثيراً والتي اعتبرها البعض رشوة من الشمال للجنوب لصالح خيار الوحدة وللأسف لن تصلح كثيراً ما أفسده الدهر من غياب الحوار واتخاذ خطوات عملية من الشمال لدعم خيار الوحدة أمام قوة تيار الانفصال الذي نما عاماً بعد عام ويوماً بعد يوم ليس في الجنوب فقط ولكن في مناطق متعددة من السودان شرقا وغربا وشمالا تعاني كلها أساساً من مشاكل التنمية الشاملة.
المؤسف أن خيار الانفصال للسودان سيجعل الجنوب دولة كرتونية بلا منفذ بحري دولة غير متكاملة البنيان محاصرة من قبل أعداء كثيرين ومستغلة من الخارج وستصبح إحدى المناطق المرشحة بامتياز للحروب الداخلية إثارة الحروب الإقليمية.
المهم أن استفتاء تقرير المصير لجنوب السودان المقرر إجراؤه في التاسع من يناير المقبل الهدف منه التأكيد على وحدة السودان أو أن يرفض مواطنو الجنوب الوضع القائم ويختاروا الانفصال عن الشمال وتكوين دولة جديدة خاصة بهم وهو ما يتوقع حدوثه.. والمتابع لتاريخ الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان سيندهش لتغير الأحوال إذ إن الفكر الذي قامت عليه يدعو إلى الوحدة وليس إلى الانفصال من خلال إقامة سودان جديد قائم على الديمقراطية والتعددية الفكرية والثقافية والعرقية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات فالحركة الشعبية بزعامة مؤسسها الراحل جون جارانج خاضت حروباً داخلية ضد الانفصاليين من أبناء الجنوب قبل أن يخوض المواجهة ضد الحكومة المركزية في الشمال، وراح في هذه الحرب العشرات من أجل تثبيت مبدأ الوحدة الذي كان جارانج يؤمن به ولكن على أسس جديدة وعلى مدى سنوات الحرب الأهلية الأولى التي اندلعت في عام 1955 وانتهت باتفاقية السلام في أديس أبابا عام 1972، وما إن هدأت الأوضاع نسبياً حتى عادت لتندلع الموجة الثانية من الحرب بعد 11 عاماً في مارس 1983 وتستمر إلى يناير عام 2005 حيث تم توقيع اتفاقية السلام الشامل وكان دعاة الوحدة من أبناء الجنوب هم الغالبية من القيادات المناصرة لفكر مؤسس الحركة جارانج الذي أصر في توقيعه بروتوكول ماشاكوس بكينيا في يوليو عام 2002 والذي ينص على حق تقرير المصير بنهاية الفترة الانتقالية وكانت وجهة نظر جارانج ان تعتبر الفترة الانتقالية هي الفرصة لزوال الجفوة وتحقيق الوحدة ولكن بأسلوب جديد بحيث ينتج عنها سودان جديد قائم على عدم التمييز على أسس دينية وعنصرية وقبلية وثقافية خاصة وأن الجميع يعلم أن السودان مثل العديد من الدول العربية والإفريقية والآسيوية بلاد متعددة الأديان والأعراف والثقافات والمذاهب أيضاً واللغات ومراعاة هذا التنوع هو الأساس لقيام السودان الجديد الموحد وليس المنقسم إلى دويلات، وأكد جارنج أكثر من مرة أن حق تقرير المصير سيضع أمام السودانيين إما الانفصال أو الوحدة المبنية على التنظيم الإداري الجديد، ولكن حقوق السودان لم تدرك وبشكل أسف ذلك ولم تستغل الفرصة، وعليها أن تدفع الثمن الآن ببذل المزيد من الجهد لتحسين الصورة بتنفيذ مشروعات تنموية علها تفلح في إنقاذ خيار الوحدة، ولو أنها استغلت الفرصة واستغلت السنوات الخمس في تنمية الجنوب لكان توجه الجنوبيين الآن نحو التمسك بالوحدة والدفاع عنها، كانوا سيشعرون بجدوى وفاعلية هذه المشروعات إلى جانب عدم تطبيق مبادئ المساواة وعدم التمييز بين أبناء الجنوب والشمال المستحوذ على كل شيء بما فيها ثروات الجنوب من النفط والمعادن وغيرها التي أسالت لعاب الغرب لدعم خيار الانفصال للاستحواذ على بترول ومعادن الجنوب.
هو الموقف نفسه في دارفور التى تم تدويل قضيتها واتهام المحاكمة الجنائية الدولية للرئيس البشير بالإبادة الجماعية بينما مشاكلها أساساً قامت على خلاف عادي وطبيعي يحدث في جميع قرى الريف العربي حول المياه بين الرعاة والزراع وبالعودة للتيار الوحدوي في الجنوب نجد أن هجرة 4 ملايين من أبناء الجنوب للشمال خلال الحرب الأهلية هو خير دليل على تمسكهم بالوحدة وذلك في مقابل هجرة نصف المليون فقط إلى دول الجوار الإفريقية وهو ما يؤكد أن الحرب لم تكن بين الشمال والجنوب بل بين القوات الحكومية ومجموعات معارضة تحمل السلاح بالدعم الخارجي.
المهم أن خيار السودان الجديد واستمرار الوحدة التي حارب من أجلها الجنوبيين ولم يدركه بكل أسف قادة الشمال وهو ما أكده زعيم الحركة الشعبية الحالي النائب الأول للرئيس السوداني وقال في أحاديثه الصحفية المتعددة أنه حارب من أحل وحدة السودان وحارب الانفصاليين من أبناء الجنوب في عام 1983 ويؤكد ذلك وجود تيارين داخل الحركة الشعبية لجنوب السودان.. تياراً وحدوياً جارفاً يضم معظم القادة الحاليين والقدامى يؤمنون باستمرار الوحدة ولكن على أسس جديدة ولكن للأسف أصواتهم بدأت تنخفض لعدم مساعدة حزب المؤتمر الوطني الحاكم لهم في تحقيق دولة العدل والمساواة وأعضاء الحقوق المدنية والحريات.. وكانت آمال الوحدويين من أبناء الجنوب بعد توقيعهم على اتفاق السلام في عام 2005 أن يتم التركيز على دعم برامج الوحدة بالجنوب ولكن حدث العكس وصار خيار الوحدة غير جاذب بالنسبة للعديد من أبناء الجنوب إلى جانب دعم بعض الإقليمية والخارجية التى من مصلحتها تقسيم السودان إلى دولتين أو أكثر كبداية لانتقال عدوى التقسيم إلى عدد من الدول الكبرى في المنطقة من أجل ألا تكون إسرائيل هي الدولة الصغرى الدينية والطائفية في المنطقة لتكون هناك دويلات مماثلة لها وهو ما بدأ بتطبيقه في العراق منذ الغزو الأمريكي له ولكن ينفذ حالياً في السودان بناء على معلومات مغلوطة تم ترسيخها بقيام الحرب الأهلية بالسودان من أجل الانفصال .. وللرد على ذلك إذا كان خيار الانفصال لأهل الجنوب لماذا هاجرت الملايين إلى الشمال العدو؟! ولماذا ضمت الحركة الشعبية لتحرير السودان بالجنوب عناصر شمالية وفي المقابل لماذا يضم المؤتمر الوطني الحاكم جنوبيين في صفوفه.
هذا الواقع يفسر حقيقة الخلاف الذي لا يقوم ولم يقم أساساً من أجل الانفصال ولكن قام نتيجة أخطاء في المفاهيم والتطبيق والتى بدأت أيام حكم الرئيس السوداني السابق نميري عندما أصر على تطبيق الشريعة الإسلامية على أبناء الجنوب غير المسلمين وهو ما دعاهم للمطالبة بتطبيقها على الشمال المسلم فقط واستثناء الجنوب لتكون هناك دولة بنظامين .. ومع محاولات إنقاذ خيار استمرار الوحدة نجد أن قيادات الحركة الشعبية التي تحكم الجنوب حالياً بنسبة 70% وتشارك في الحكم في الشمال بنسبة 30% وفي حالة الانفصال سيخسر قادة الحركة الشعبية نسبة المشاركة في حكم الشمال، كما أنها ستخسر نسبتها في الجنوب لمشاركة أحزاب أخرى لها في السلطة إلى جانب المعاناة التى ستطول أهالي الجنوب في دولة ناشئة، ليس لديها مكونات قيام دولة مستقلة، ولكن أظن أن مواطن الجنوب سينعم بالاستقرار بعد الانفصال رغم كل ما بذله ويبذله حاليا عدد من القيادات الجنوبية من أجل تدويل الانفصال ومطالبتهم مجلس الأمن بإعلان قيام دولة الجنوب في حالة تأخر موعد الاستفتاء أو التزوير في نتائجه وأن يبدأ ذلك بإعلان استقلال الجنوب من داخل البرلمان الجنوبي..
وما بين شد وجذب بين أنصار استمرار الوحدة والانفصال وتبادل الاتهامات والمعارك الكلامية وحرب التصريحات بدلاً من العمل الجاد والمخلص لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالحوار والعمل الجاد على أرض الواقع وهو ما أدى إلى فشل اللقاء التشاوري الدولي الأول حول قضايا السودان والذى عقد بالخرطوم في الـ17 من شهر يوليو الحالى وضم ممثلي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ودول الجوار (مصر وليبيا وأوغندا وتشاد إلى جانب قطر والنرويج) والمنظمات الإقليمية والدولية ومشاركة المبعوث الأمريكي سكوت جرانيس مشاركاً بشكل رسمي، ورغم ذلك كان الفشل حليفًا لهذا الاجتماع، فلم يستطع المجتمعون الخروج بموقف حاسم أمام قضايا السودان المتعددة من التحضير للاستفتاء على حق تقرير مصير الجنوب ومواجهة حركات التمرد المستمر في دارفور، والتحركات الدولية التي لم تنجح في حلّها إلى الآن، بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والإنسانية الداخلية إلى جانب مواجهة مشكلة ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس البشير بتهمة الإبادة الجماعية ليظل السودان معلقاً بين الانفصال واستمرار أزمة دارفور ومشاكل خرجت إلى مستوى التدويل.
أمام ذلك يسعى عدد من قادة الجنوب المدركين لصعوبة خيار الانفصال إلى طرح قيام اتحاد كونفدرالي بين شمال وجنوب السودان تسمح لهم بعد استقرار أوضاعهم إلى المطالبة بالانفصال في الوقت الذي تدعو أطراف أخرى في الحزب الحاكم بالشمال إلى إقامة مناطق تكامل في المناطق الحدودية بين شمال وجنوب السودان مع استبعاد الجميع لاستمرار خيار الوحدة حاليا.
هذه الإصلاحات لا يمكن تحقيقها بالأساليب الدعائية التي يمارسها الحزب الحاكم في السودان حالياً بحملات الأغاني والإعلانات التى تدعو للتمسك بخيار الوحدة، فالوحدة لن تتحقق إلا بخطوات عملية على أرض الواقع خاصة أن مصلحة شريكي الحكم في الشمال والجنوب تستلزم منهم الإسراع بإجراء الإصلاحات المطلوبة واعتماد السودان دولة واحدة متعددة الأعراق والديانات من خلال إقرار نظام سياسي واجتماعي وديمقراطي جديدة مثل جميع دول العالم التي سبقتنا وعانت مثل مشاكلنا ولكنها تغلبت عليها بالديمقراطية والتعددية والحريات. إن على الفرقاء في السودان أن يعلموا أن المشاكل القائمة بسبب التعددية العرقية والدينية والثقافية لن يتم حلها بإعلان قيام دولتين وعليهم أن يوقنوا بحقيقة أن السودان الذي أصبح بحاجة ماسة إلى سودان جديد يعالج مشاكله الداخلية بواقعية وليس بالأغاني وحملات الترويج.