اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

هل يخطط المحافظون الجدد للعودة ثانية

Sat, 31 يوليو 2010

إميل أمين
مع اقتراب شهر نوفمبر المقبل، موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، بدأت الأصوات تعلو متسائلة: ما هي حظوظ عودة الجمهوريين للسيطرة على مقدرات الكونجرس وخسارة الديمقراطيين للأغلبية التي تمتعوا بها طوال العامين الماضيين؟ والسؤال تستتبعه علامة استفهام أخرى: هل إذا خسر الديمقراطيون وفاز الجمهوريون في انتخابات الكونجرس سيخسر الرئيس باراك اوباما في جولة انتخابات الرئاسة 2012 القادمة بالتبعية؟ هذه التساؤلات المفتوحة تعززها خيبات أمل كثيرة جرت وما تزال بسبب سياسات الرئيس الأمريكي باراك اوباما، ذلك ان الرجل لم يدرك حتى الساعة وبشكل مؤكد أيا من الوعود التي قطعها على نفسه في الداخل أو الخارج، وسواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة الخارجية فالحرب ما تزال مستعرة في العراق وأفغانستان، ناهيك عن الأحاديث الدائرة عن فتح جبهات ضد الإرهاب من جديد، وهناك من لا يوفر الحديث عن خطط عمليات سرية عسكرية واستخباراتية في الشرق الأوسط، هذه جميعا جعلت علامة الاستفهام: ما الفرق بين اوباما وبوش ترتسم على شفاه الجميع؟
والشاهد ان الرئيس اوباما وفي شهر يناير المنصرم كان قد فقد أغلبيته الموصوفة في مجلس الشيوخ، بانتزاع المرشح الجمهوري «سكوت براون» مقعد السيناتور الديمقراطي الراحل «تيد كيندي» في نكسة تهدد مستقبل اصلاحاته كما قال البعض وقتئذ.
وقد كانت المرة الأولى منذ عقود يفوز المرشح الجمهوري في ولاية ماساشوستس بمقعد في مجلس الشيوخ ليفقد الديمقراطيون بذلك أغلبية الستين صوتا الموصوفة في المجلس والتي كانوا يملكونها بفضل دعم اثنين من المستقلين. وقد تدخل الرئيس اوباما شخصيا في جانب المرشح الديمقراطي، حيث قام بزيارة خاطفة الى بوسطن لدعم «مارثا كوكلي» مذكرا الناخبين بان الأهداف الكبرى لبرنامج رئاسته مثل التامين الصحي، ومكافحة غازات الدفيئة وإلاصلاح المالي عرضة للخطر.. ومع ذلك لم تفلح محاولات اوباما وخسرت «مارثا» وفاز الجمهوريون، الأمر الذي جعل «كارولين توملتي» من الواشنطن بوست الأمريكية تتساءل هل يتأهب الجمهوريون لمعركة الرئاسة الأمريكية مبكرا عبر بوابة انتخابات التجديد النصفي بالكونجرس؟ تكتب الواشنطن بوسط تقول «انه يشار إلى أن الطامحين إلى التنافس على الرئاسة عمدوا منذ أمد بعيد إلى استغلال موسم انتخابات التجديد النصفي أواخر العام الحالي لتعزيز مهاراتهم بمجال حملات الانتخابية وبناء شبكات سياسية لهم.
ومن المعروف ان ريتشارد نيكسون عمد عام 1966 الى اقتحام انتخابات الكونجرس في ذلك العام لتسليط الأضواء على نفسه باعتباره مرشحا رئاسيا محتملا لعام 1968. ومن شأن إعلان التأييد لمرشح ما في توقيت مناسب من قبل مرشح رئاسي محتمل تسليط أضواء الإعلام على اسم المرشح، إلا ان الانحياز الى صف بعينه في الانتخابات التمهيدية لا يخلو من مخاطرة، ذلك انه في حال خسارة المرشح الذي اعلنت تأييدك له، فانك قد تتعرض للانتقام من جانب الفائز. والملاحظ ان أحدا من المرشحين المحتملين للتنافس على ترشيح الحزب الجمهوري لأحدهم في انتخابات الرئاسة لم يبد قوة وحماسا في إعلان تأييد المرشحين الانتخابيين أكثر من سارة بالين التي مدت يد العون إلى أكثر من 10 أشخاص حتى الآن. ففي فلوريدا مثلا انضم ميت روني الى منافسيه الرئاسيين السابقين وربما المستقبلين «مايك هاكابي» ورودلف جولياني الى الفريق المؤيد ل «ماركو روبيو» المرشح لمجس الشيوخ، ويبدو ذلك رهانا مضمونا ذلك ان الرئيس السابق لمجلس النواب في فلوريدا تمكن من إحراز مكانة متقدمة مبهرة في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري، لدرجة ان الحاكم «تشارلي كريست» المرشح الذي كان مفضلا من قبل، ربما يضطر الى التخلي عن حزبه والترشح بصورة مستقلة في نوفمبر المقبل. ومع مرور الوقت يتكشف ان هذا العام سيكون أي ارتباط لمرشح محتمل خلاله بواشنطن والمؤسسة السياسية امرا شديد الخطورة، مما يعد انحرافا عن الحسابات القديمة التقليدية التي قامت على ان فكرة الانتخابات التمهيدية تخلق أعداء بلا داع.
وهنا يشير «جون ويفر» المفكر الاستراتيجي المخضرم الى انه في ظل هذا المناخ ربما يشكل اقتحام المعركة خطوة ذكية للمرشحين الرئاسيين الراغبين في إبداء إخلاصهم، وحتى الآن تركت مواقفهم تأثيرا ملحوظا على الانتخابات الأولية داخل الحزب الجمهوري من كنتا كي وكارولينا الجنوبية حتى أنديانا ونيويورك. على ان التساؤل: هل بدا الجمهوريون والمحافظون في مقدمتهم على نحو خاص الاستعداد للمعركة الرئاسية القادمة؟
يبدو ان ذلك كذلك بالفعل، ففي صباح اليوم التالي لانتخابات ماساشوستس التي فاز فيها الجمهوريون كانت تعليقات وسائل الإعلام التابعة لهم «لقد كان نصرا كبيرا للمحافظين».
ومع هزيمة الديمقراطيين في الانتخابات الاخيرة حول مقعد مجلس الشيوخ في ولاية ماساشوستس، أصبحت حركة المحافظين أكثر نشاطا بالمقارنة بالسنوات الماضية، كما أنها أكثر توحدا. وتصاعدت الخلافات بين المحافظين الاقتصاديين والاجتماعيين أثناء سنوات حكم بوش، لكن حدة تلك الخلافات تراجعت أمام ما اعتبره جميع الأطراف أجندة اوباما الليبرالية. ويبدو ان اليمين الأصولي الأمريكي قد عاد لينشط من جديد في دعم التيارات الامريكية المحافظة، لكن ما ليس واضحا هو هل ستكون الجهود التي يبذلها مفيدة بالنسبة للحزب الجمهوري ام لا؟ الثابت ان غرف المؤتمرات الخاصة بالمحافظين الشباب باتت تعج بهم وهم يلتفون حول منضدة وضعت عليها مأكولات من طعم «تشيك – فيل – ايه» الذي أسسه احد زعماء اليمين المسيحي البارزين، تحت إطارات تحتوي على صور لرونالد ريجان ولأبطال حركة المحافظين الآخرين.
ويقول «دون ايرفين» رئيس جماعة مراقبة وسائل الإعلام المحافظة «الدقة في الإعلام» الذي يرأس الاجتماع ان وسائل الإعلام هي الجواد الرابح للمحافظين هذه المرة. ويستخدم أعضاء الجماعات المحافظة داخل واشنطن، والتي يزيد عددها على مائة جماعة، مثل هذه الاجتماعات للتنسيق بشان إستراتيجيتهم القادمة، سواء فيما خص انتخابات التجديد النصفي للكونجرس أو الرئاسة القادمة في 2012، وفي الفترة الاخيرة كانت مثل هذه الاجتماعات تهدف الى تعطيل الأولويات الديمقراطية مثل الرعاية الصحية وتشريع خفض الانبعاثات الغازية.
ومن بين أهم المجموعات التي تعمل على تهيئة الأجواء لعودة المحافظين الى الحكم في الولايات المتحدة الامريكية يجيء الحديث عن «مشروع العمل المحافظ»، وقد نتج هذا المشروع عن سلسلة من اجتماعات المحافظين كان هدفها الترتيب للعودة الى الساحة السياسية خلال الأسابيع التي تلت انتخابات اوباما. وعقد احد هذه الاجتماعات أثناء اجتماع لمجلس السياسة الوطنية في احد فنادق واشنطن العاصمة حسبما قال محافظون، وتأسس هذا المجلس السري في بداية ثمانينات القرن الماضي للتنسيق بشان ما كان يسمى آنذاك «اليمين الجديد» ... هل بدأت أية إرهاصات لأسماء بعينها للترشح من قبل قوى اليمين الأمريكي المحافظة للوصول الى الرئاسة الامريكية؟ هذا ما حدث بالفعل ففي أواخر الشهر قبل الماضي عقد المحافظون اجتماعا في العاصمة الأمريكية واشنطن صوتوا فيه لترشيح القس والمعلق السياسي «مايك هاكابي» لمنصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية لعام 2010، عن الحزب الجمهوري، وقد نقلت صحيفة «بوليتيكو» الامريكية ان قمة «المصوتين القيمين» السنوية منحت 28% من أصوات المندوبين ال 597 لمايك هاكابي، القس المعمداني والحاكم السابق لولاية اركنساس. وكان هاكابي قد خاض السباق على ترشيح الحزب الجمهوري العام 2008، ويعمل اليوم كمعلق سياسي في شبكة فوكس الاخبارية. وقد حل حاكم ولاية ماساشوستس السابق ميت رومني الذي خسر ترشيح الحزب الجمهوري السنة الماضية أيضا في المرتبة الثانية يليه حاكم ولاية مينوسوتا «تيم باولنتي»ثم حاكمة ولاية الاسكا السابقة «سارة بالين» والمرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس. وقد أعلن نتائج التصويت «طوني بيركنز» رئيس مجلس الأبحاث العائلية الذي رعى القمة، وأشار إلى أن هاكابي يضع «اصبعه على نبض المصوتين الجمهوريين»، ويتمتع بموهبة الوصول إلى قاعدة الحزب. والمثير في الاجتماع هذا هو ما تكلم به رئيس الأقلية النيابية في الكونجرس «جون بوهنر» ورئيس مجلس النواب السابق «نويت جينجريتش» حيث هاجما المبادرات السياسية للرئيس باراك اوباما، الأمر الذي يدلل على ان رياحا عاتية ستواجه اوباما في نوفمبر 2010 أو في 2012 موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية الجديدة. والمقطوع به ان التساؤل المطروح الآن داخل الولايات المتحدة الامريكية هو الى أين يذهب السباق وربما الصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري وبين أتباعهما؟
الشاهد ان كل الإحصائيات والقياسات الكمية للأرقام والمعلومات تؤكد على ان الحزب الديمقراطي الأمريكي هو الأكثر عددا والأكبر حجما لجهة الانتشار في الولايات المختلفة، وبان الحزب الجمهوري الأمريكي هو الأكثر قدرة وبراعة في استخدام المناورة وإدارة الحملات، إضافة الى تميزه بوفرة الموارد المالية والإعلامية.
وإذا كان الديمقراطيون يتميزون بوفرة الموارد المالية والإعلامية والديمقراطيون يتميزون بالاهتمام أكثر فأكثر بالشأن الداخلي الأمريكي وبالتالي تراهن الإدارات الجمهورية على إعطاء الأولوية لجدول أعمال السياسة الداخلية وتغليبه على جدول أعمال السياسة الخارجية، فان الأمر بالنسبة للجمهوريين مختلفا فهم أكثر فهما واهتماما بالشأن الخارجي الأمريكي وبالتالي، فقد ظلت الإدارات الجمهورية تراهن على أولوية جدول أعمال السياسة الخارجية الامريكية وتغليبه على جدول أعمال السياسة الداخلية الامريكية. وتأسيسا على ذلك فان فوز المرشح الجمهوري «سكوت بارون» في ولاية ماساشوستس كان يمثل في حد ذاته النقطة الفاصلة التي لا بد عندها ان إدارة اوباما راجعت أوراقها ومن ثم التوصية بعملية تحول سريعة في أجندتها وخاصة الخارجية منها وإعطائها اهتماما اكبر، إضافة الى إجراء التعديلات الحاسمة في أجندة السياسية الداخلية الامريكية. غير ان واقع الحال وفي ظل الانخفاض الكبير في شعبية الرئيس اوباما يؤكد ان مراجعة مثل تلك لم تحدث بالمطلق، وان الملفات الساخنة والملتهبة ما تزال مفتوحة بل وتهدد بانفجارات أقوى واشد، وفي مقدمتها النزاع العربي الإسرائيلي والذي تكثر من حوله الأقاويل في الاشهر الاخيرة وكيف ان احتمالات تحول الموقف الى صراع عسكري واسع النطاق هو أمر وارد بقوة. أضف الى ذلك الملف الإيراني المحتقن للغاية والذي تختلف من حوله الدوائر الامريكية المعنية لجهة الخلاص منه بضربة عسكرية أو تقديم حلول سلمية مع إدارة الرئيس الإيراني احمدي نجاد. وقد جاءت أزمة بقعة النفط الخاصة بشركة «بي بي» البريطانية لتمثل 11 سبتمبر الخاصة بالرئيس اوباما، ما عطل كثيرا من إمكانيات النمو الاقتصادي داخل أمريكا. ورغم ان هناك نحو أربعة أشهر تقريبا على انتخابات التجديد النصفي وعامين ونصف على انتخابات الرئاسة وهي فترات كافية لحدوث متغيرات والدخول في منعطفات سياسية واقتصادية متباينة إلا ان انتخابات الكونجرس القادمة ستعد ولاشك بمثابة جرس التنبيه لإدارة اوباما. ويتبقى قبل الرحيل التساؤل الأهم: ماذا عن العالمين العربي والإسلامي إذا استعلن اليمين الأمريكي من جديد وعاد المحافظون الى البيت الأبيض مرة أخرى. هل سيتم ما بقي في طريق بوش؟ ومعناه حروب جديدة وغزوات أمريكية مختلفة ونار ودمار مرة متجددة سيما وان النغمة الفكرية لهم واحدة؟
يخشى المرء من ذلك سيما وان آراء المرشحين المتقدمين منهم تؤكد هذا السياق التصادم القادم إذا حصل وخسر اوباما بالفعل وهو ما لا نتمناه وان كانت احتمالات حدوثه وراده.