اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

نوافذ .. المجتمع التقليدي ينازع أفراده

Sat, 31 يوليو 2010

لا توقع المجتمعات التقليدية حالات صلح دائمة مع أفرادها، ذلك أن هناك تفاوتا في حالة كل منهما، فما يسعى إليه المجتمع التقليدي من السكون، والروتين، وتكرار الصور الذهنية المتوارثة، يقابله ذلك السعي الحميم من قبل الأفراد نحو الجنوح، والخروج عن المألوف، واعتناق مذاهب جديدة في الحياة، وهكذا يظل هناك حوار غير ودي بين الفرد ومجتمعه التقليدي، على وجه الخصوص.
وهذا ما يسعى إليه الحوار القائم بين الأجيال إلى تفعيله مع كل فترة زمنية تمر، وإن تشعب اليوم واتسعت مسمياته مثل؛ الحوار بين الحضارات، والحوار بين الأديان، والحوار بين الأجيال، كما أسلفت.
هل هي حالة صحية في أن يظل هذا التفاوت الدائم بين الجيلين، أو بين النظرتين القديمة، والحديثة في حقائق هذه الحوارات؟ هناك من يراها أنها كذلك لأنها تؤسس منطلقات مهمة في حياة الأجيال، وتثري التجربة الإنسانية، لأنها بذلك تضيف لبنة جديدة في الحضارة الإنسانية، كما تلغي الجمود، وهناك من يراها غير ذلك اعتمادا على ضرورة التشبث بالتراث، وبالثوابت، وببعض القيم، وللحفاظ على الصورة العامة للمجتمع التقليدي؛ من حيث إيمانه أن يتوارث الجميع الصورة المشخصة للمشهد التقليدي، ولا غير.
ولكن على الرغم من هذه المجادلة المستمرة، فما يطرأ من تغيير على هاتين الصورتين المادية والذهنية في حقيقة هذه العلاقة، يظل – دائما – أكبر، وما يبقى لا يفي بمجابهة التيار القادم، وهو تيار قوي، وفاعل، ومؤثر، وعلى درجة كبيرة من التمكين، ذلك أنه يتسلح بأدوات العصر، وهي أدوات، كما يعرفها الجميع، تقنية، حتى تكاد تقنيتها أن تؤثر على التنشئة السلوكية، وقد تدخل في التركيبات الجينية أحيانا، أليس يولد أطفال مشوهين من التأثير السلبي للتكنولوجيا؟
مثلت الأسرة النووية في بداية كل المجتمعات التقليدية دورا مهما في تقليل هذا الحوار الصدامي، إن جاز التعبير، لما تتميز به هذه الأسرة من تأثير على أفرادها في وسط المجتمع التقليدي، ولكن على الرغم من حرص كثير من المجتمعات التقليدية على بقاء، واستمرار هذه الأسرة بين محيطه الاجتماعي، لم تفلح جل هذه المحاولات، ولذلك فهذه الأسرة النووية تواجه صداما عنيفا مع كل فترة زمنية متقدمة من عمر الشعوب، وتتعاظم في المقابل الأسرة الفردية، وتتكاثر بصورة، ربما، تكون غير مسبوقة في أجيال قريبة جدا، وليست بعيدة.
هناك من يرى أن هذه الصورة، التي تتمثل في هذا النزاع القائم، تخضع لتنظيم دقيق أساسه الإنسان، ولكن الواضح أن لا دخل للإنسان الفرد في ذلك بصورة مباشرة، فالحياة حولنا تفرض أجندات لا يمكن الفكاك منها، ولذا فهي لا تخضع للتنظيم بصورته الحرفية المباشرة، نعم قد يعمل الفرد على بلورة أطرها المختلفة ولكن أن يخضعها تحت إرادته متى شاء، ومتى لم يشأ، فهذا أتصوره بعيدا عن الواقع، وإلا لاستطاع الإنسان أن يعيد الذرات المتحركة في هذه القضية إلى وضعها الطبيعي، وكما يقول المثل الشعبي: «يا دار ما دخلك شر».
إذن والحال كذلك هل يحق للمجتمع أن ينازع أفراده وفق هذه الرؤية التي تكون خارج حسابات الفرد، أقول نعم، ولا، وهذا ليس لغزا، يحق له ذلك إن كان مقدار الخروج عن المألوف يتجاوز الحسابات المعتادة، ولا إذا كانت المسألة تسير وفق سياقها الطبيعي.
ولعل لنا بالغ العظة في قول الإمام علي ابن أبي طالب - كرّم الله وجهه - المشهور: «لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم خلقوا لزمن غير زمنكم»، وسؤال أخير، هل باستطاعة الفرد أن ينتزع ذاته من واقع مجتمعه؟ الإجابة عن هذا السؤال الختامي هي التي تحدد أن يتفق الطرفان، أو يظلان وفق هذه المنظومة الاجتماعية منذ بدء الخليقة وحتى انتهاء رمقها الأخير.
يكتبها اليوم: احمد بن سالم الفلاحي