ستيف يليلياكريستيان سايانس مونيتر
ترجمة:عبدالرحيم بشارة
انطلقت إبان دورة كأس العالم الأخيرة عبارة عاطفية : (عاشت إفريقيا موحدة) عبارة ترددت كالرعد في سماء جنوب إفريقيا في كل المباريات التي كانت الفرق الإفريقية فيها طرفا وكانت تلك لحظات تجلت فيها مشاعر الأخوة. تلك العبارة تحدث عن قوة ورغبة حقيقية في بذل مجهود جماعي يعد بإمكانية تحويل مجريات الأمور في القارة الأم لتعيش مستقبلا أفضل.
هذه العبارة التي كانت تعرض في التلفزيونات الدولية للحظات بثت رسالة للعالم فحواها أن نبدأ في النظر للقارة الإفريقية من منظور مختلف وتقديم مزيد من الدعم لرحلتها نحو السلام والرفاهية ومساندة الجهود التي يتبناها أبناء الكثيرين من أبناء إفريقيا.
باستثناء غانا لم تفلح الفرق الإفريقية في أول كأس عالم تقام بإفريقيا. مع ذلك يعتبر الاهتمام الإفريقي في كأس العالم الأكثر حماسا والأقل عصبية، وهذا حقا ما يؤكد أن إفريقيا موحدة.
هذه القابلية لدعم الجار للجار تتماشى مع الحقائق المؤثرة الصادرة من إفريقيا التي توحي بأن هناك تحسنا يطرأ على حياة الكثيرين من الأفارقة العاديين.
في السنوات الأربع الأخيرة في تقرير مؤشر السلام العالمي الذي يديره معهد الاقتصاد والسلام برزت إفريقيا كأفضل إقليم بالمقاييس التقدمية والسلمية، وهذا لا يعني أنها الإقليم الأكثر أمنا ولكن بصفة عامة تتقدم إفريقيا نحو السلام بخطى أسرع من غيرها من الأقاليم ، حيث تتناقص حدة الخلافات ويتناقص أيضا الصرف العسكري والسعي للحصول على الأسلحة الخفيفة (التي تستخدم الاقتتال غير العشوائي).
تطور إفريقيا يؤكد العلاقة بين السلام والرفاهية وأن درجة سلمية القارة السمراء قد ازدادت وأن الناتج الاجمالي المحلي في تنام، بل هو الأعلى منذ ستينيات القرن الماضي – الوقت الذي نالت فيه معظم الدول الإفريقية استقلالها. والمؤشر الآخر على التقدم في إفريقيا أن نسبة وفيات الأطفال تتناقص بمعدل 2 في المائة سنويا خلال العقد الماضي من الزمن.
الدعم المتبادل للفرق الإفريقية من دول القارة في كأس العالم الماضية يبرهن وجود عوامل موازية قوية تم التعرف عليها في سياق الميول السلمية بين المجتمعات ومن هذه المؤشرات تطور العلاقات الطيبة مع الجيران والاعتراف بحقوق الآخرين.
قدمت الشركة الاستشارية ماكينسي مؤخرا تقريرا يوضح أن إفريقيا حققت معدل نمو اقتصادي بنسبة (4.9%) في المائة بين الفترة من عام 2000 حتى عام 2008. وأشار التقرير إلى أن المنطقة الإفريقية جنوب الصحراء الكبرى – وهي المنطقة التي كانت تبدو قد انغمصت في عصر مظلم من الفقر والبؤس – حققت نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة (4.8%) خلال الفترة نفسها من 2000 إلى 2008. والغريب أن الاقتصاد الإفريقي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 حقق نسبة نمو قدرها 2% وما زال في حالة صعود.
كما ذكرت مجلة (بيزنس ويك) الاقتصادية في عمود في آخر أصدار لها:إن معدل دخل الفرد في الناتج الإجمالي المحلي في أقوى الاقتصادات الإفريقية (مثل المغرب وجنوب إفريقيا وتونس) كان في الواقع أعلى من دخل الفرد في دول (بريك) – أي البرازيل وروسيا والهند والصين.
ولا يعني هذا أن كل شيء وردي في القارة الإفريقية. فما زالت هناك الكثير من المشاكل العويصة منها تواتر المجاعات ومعاملة النساء بوحشية في بعض المناطق واستشراء مرض العوز المناعي (الأيدز أو السيدا). ويضيف إلى تقويض الإحصاءات الإيجابية التي تحققت في إفريقيا عدم العدالة في حصول الكثير من المواطنين على فرصة الثراء إما بسبب سوء الإدارة أو بالتوزيع غير المنظم لفوائد التنمية.
لكن ليس بالضرورة أن تكون مثل هذه المشاكل السمة التي توصف بها القارة الإفريقية، بل يجب التركيز أكثر على الجوانب الإيجابية في تقديم المساعدات والدعم الاقتصادي وتشجيع هذه الميول الإيجابية نظرا لما تمثله من فرص للحلول والتوجهات المستقبلية.
تثبت الحقائق أن الأفارقة لهم قابلية النهوض بأنفسهم فوق المصاعب كالفقر وقابليتهم لوقف النزاعات التي تبدو أزلية. على سبيل المثال، في عام 2006، أشار المسح الذي أجرته مؤسسة جالاب الدولية إلى أن الأفارقة يتميزون عن غيرهم من البشر في القارات الأخرى بأنهم الأمة الأكثر تفاؤلا، وهذه هي مفاتيح النجاح والسلام.
ولمساندة هذه المبادرات على الحكومات والمنظمات غير الحكومية تضمين مبدأ السلام في كل برامج المساعدات المقدمة لإفريقيا، بينما يتم التركيز من قبل الممولين والجامعات على زيادة تمويل دراسات السلام في سياق إفريقي.
على الحكومات - على الأقل - الوفاء بما تم الاتفاق عليه بالنسبة للدعم المقدم لإفريقيا من الخارج وعليها أيضا زيادة الممارسات الإحصائية التي من شأنها أن تضع قيمة لتأثير السلام في الثراء الاقتصادي.
كما يجب في الوقت نفسه تطوير القطاع الخاص المتعدد الجنسيات وبناء علاقات مستدامة أكثر بين الحكومات الإفريقية للعمل معا لتحسين مبدأ السلمية في الأسوق الرئيسية.
وأخيرا على كل من الحكومات والقطاعات الخاصة في الدول الغنية العمل معا لتخفيض أو إلغاء الدعم الزراعي للسماح للاقتصادات الإفريقية بنيل فرص التنافس التجاري الحر.
وبهذا الأسلوب سيشعر المانحون من الدول الغنية بالثقة ويعلمون أنهم يقيمون البرامج بناء على الحقائق وأنهم يخدمون خدمة أفضل لمعظم الأفارقة رغم صمت الأبواق التي كانت تطلق لتشجيع اللاعبين في كأس العالم فهناك حاجة للاستمرار في تشجيع لاعبين آخرين في إفريقيا وهم دعاة السلام والرفاهية الذين وحدتهم الرغبة في بناء قارة مستقرة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا.
(ستيف كيليليا هو مؤسس ورئيس (معهد الاقتصاد للسلام) الذي أصدر مؤخرا مسحا سنويا عن السلام العالمي وبعث به لهيئة (مؤشر السلام العالمي).