اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

الإصلاح الإداري .. إرادة التغيير وضرورة التطوير

Sat, 31 يوليو 2010

ناصر أبوعون
يقع أغلب موظفي حكومات العالم الثالث في شرك المقولات الكبرى والمستوردة غالبا من بيئات ومناخات فكرية لا يجوز توطينها في منطقتنا العربية إلا في مراحل متأخرة من سلسلة التطور التاريخي للمنظومة الإدارية ومن تلك المقولات (البدء أولا بالإصلاح السياسي) و(ديمقراطية الإدارة) (وحرية اتخاذ القرار)التي تنطوي على رؤى إدارية مشوَّشة وشائكة وكثيرا ما تفجر إشكاليات تصبح مع التطور الزمني مرضا عضالاً وسوساً ينخر في جسد الجهاز الإداري وغفلوا عن أولوية (الإصلاح الإداري) الذي هو مقدمة منطقية تنبثق عنها نتيجة طبيعية هي (ديمقراطية الإدارة).
والحقيقة التي يغفل عنها رافعو راية (الإصلاح السياسي أولا) هي أن معاناة دول العالم الثالث نشأت من انتهاج طرق تقليدية للعمل وخاصة في الجهاز الحكومي، مما أثر سلبا في أعمال الجهاز الإداري وأضعف القدرات الإدارية لمؤسسات الدولة ، مما نتج عنه وجود أنظمة إدارية مبهمة وتضارب في القوانين وغياب التنسيق والشفافية والمساءلة القانونية والموضوعية في اتخاذ القرارات.
واللافت أيضاً أن الأجهزة الإدارية في البلدان النامية تعاني من غياب التطابق بين الوظيفة والخبرات المطلوبة، وتفشي المحسوبيات وضعف - إن لم يكن غياب - الرقابة وقواعد تقييم الأداء، وتواري مبدأ الثواب والعقاب والشفافية والمحاسبة، مما أوجد بيئة مشجعة على الفساد الإداري الجماعي.

خطوات الإصلاح الإداري

والإصلاح الإداري الصحيح يساهم في استنهاض الهمم وتمهيد الطريق لانطلاقة واسعة في كافة الحقول المعرفية والاقتصادية وقدرته المتنامية والمتسارعة في ترسيخ دولة المجتمع المدني وهو ضرورة حتمية تنقل المجتمعات تدريجياً في سلم النشوء والارتقاء وصولا به إلى قمة الهرم إلى (الشورى / الديمقراطية) بالتعبير المتعارف إسلامياً .
وليس بخافٍ على أحد أن الدولة الإسلامية الأولى بدأت بوضع لبنات الإصلاح الإداري بتعريب واستحداث الدواوين كأولوية ملحة لإصلاح أحوال البلاد والعباد.
إن عملية الإصلاح الإداري تمثل نقلة نوعية في تقديم الخدمات مع تقليص التكاليف وإدارة الخدمات بالأسلوب التجاري أوالاقتصادي بديلاً عن النمط البيروقراطي استنادا على خصخصة الخدمات أو التشغيل الذاتي لها بإيجاد أساليب أكثر مرونة.
ومن هنا - فإن أولى الخطوات الأساسية للإصلاح الإداري تبدأ بتقييم الأداء انطلاقا من جمع البيانات والمعلومات اللازمة من جميع القطاعات، بأخذ عينات من ذوي العلاقة، (مديرين ورؤساء أقسام وموظفين، ومراجعين ومتعاملين مع الوزارات والدوائر) والقيام بتحليلها للاستفادة منها، ثم مقارنتها مع الخطة والمعايير المحددة مسبقا.
وهناك تجارب دولية حققت نجاحاً رائعاً في الصين واليابان حيث اعتمدت على العنصر البشري كركيزة أساسية لعملية النهضة والتنمية الشاملة متخذة العديد من التدابير والأولويات فقد قامت بإصلاح النظام الإداري الحكومي بداية من القمة إلى قاعدة الهرم الإداري - مع الأخذ بشمولية وتكامل الإصلاح الإداري- وتبسيط الإجراءات الإدارية مدعومة من النظام السياسي الذي توفرت لديه الإرادة السياسية الفعالة والقوية لمكافحة الفساد في الجهاز الإداري بإيجاد بيئة سياسية وتطبيقية ورغبة صادقة لدى المسؤولين في مواجهة الفساد ومكافحته واجتثاثه ، وإفساح المجال لإدارات المشاريع العامة والأجهزة المحلية لممارسة التخطيط والتنفيذ والمتابعة مع اهتمام الإدارة المركزية بنتائج الإدارة العامة والرقابة والمساءلة الإدارية، واضعة في الحسبان ملاءمة برامج عملية الإصلاح الإداري للبيئة الداخلية والخارجية ، مدفوعة بدعم لا محدود من السلطة التشريعية متمثلا في تحديث الأنظمة والتشريعات الخاصة بالعملية الإدارية.

الأهداف الإستراتيجية للإصلاح

وقد عكف خبراء التخطيط الاستراتيجي في العالم على وضع حزمة من (الأهداف الإصلاحية) التي بتطبيقها إجرائيا في محيط العمل المؤسسي سوف تكون كفيلة بإحداث ثورة إدارية ونقلة نوعية في الإصلاح الإداري وبتعبير(تغريد كشك) - خبيرة الإدارة الاستراتيجية - فإنه لا يمكن إحداث تقدم على صعيد الإصلاح المؤسسي والإداري إلا بإحداث تغييرات جوهرية في مفهوم الخدمة المدنية وتحديد دورها ومهام مؤسساتها وعلاقاتها مع المؤسسات الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في إطار النظام السياسي، وتحقيق المزيد من المساءلة على عمليات الجهاز الإداري وتقوية نظام الاتصالات وتبادل ونشر المعلومات بشفافية ، وتحقيق المزيد من اللامركزية بالنسبة للمسؤوليات والسلطات الإدارية واتخاذ إجراءات عملية لإلغاء الإسراف المالي والمبالغة في تقدير النفقات من جانب الجهاز الإداري للدولة والتركيز على اقتصاديات التشغيل مدعومة برؤية عملانية تركز على إنتاجية العنصر البشري في جميع مؤسسات الدولة.

إبطال مفعول مقاومة التغيير

طبيعي ويقيني أن إجراءات الإصلاح الإداري ستقود إلى تهيئة المناخ الملائم للتعاون بين كافة عناصر برنامج الإصلاح الإداري وهذا بدوره سيقضي على مقاومة الإصلاح من جانب الموظفين المحافظين والتقليديين داخل المؤسسات الحكومية.
وتبدأ عملية إبطال مفعول مقاومة التغيير بتحديد الجهاز المسؤول عن الإصلاح الإداري داخل كل مؤسسة من مؤسسات الدولة تتجسد في إنشاء دوائر(التخطيط والدراسات والتطوير)التي ينحصر دورها في تحويل خطط الإصلاح إلى واقع ملموس وترسيخ مفهوم استمرارية الإصلاح الإداري مع تقوية مركز جهاز الإصلاح الإداري وتدعيم الثقة به وتعزيز التنسيق بين عناصر الاستشارات والوحدات الإدارية التنفيذية.

وسائل الإصلاح الإداري

تحتاج إجراءات الإصلاح الإداري إلى قادة إداريين متخصصين وحزمة من الوسائل أهمها الاعتماد على التنظيمات السياسية وأجهزتها المختلفة وخاصة الإعلامية منها، حيث تقوم السلطة السياسية عبر قرارات مدروسة إلى إحداث صدمة إصلاحية إدارية عن طريق تطهير الأجهزة الإدارية من بعض النماذج البيروقراطية التي تعارض عملية الإصلاح أو لكونها غير قادرة على إعداد برامجه وتنفيذها، وكذلك تقوم السلطة السياسية بتكوين أجهزة خاصة للمراقبة والتقصي والتفتيش تساعدها في تقديم مقترحات وتوصيات مناسبة وتعزيز الجهاز الإداري بقيادات جديدة مؤمنة بالإصلاح وجاهزة لتنفيذ برامجه، وتمكين أجهزة الإدارة من ممارسة صلاحياتها بعيدا عن المركزية والبيروقراطية المعرقلة التطور الفني والتقني ولا تستجيب لمعطيات البيئة المحيطة، إضافة إلى قيام السلطة بإجراء تعديلات دورية في المواقع القيادية والاعتماد على الأجهزة الاستشارية ودعمها في صنع القرار، مع الاستعانة بالسلطة التشريعية في إعادة النظر في القوانين التي تحكم حركة النشاط الإداري.، والقيام بتغيير الاتجاهات السلوكية للموظفين استنادا إلى دعامات أخلاقية وتدريبهم على الإحساس بالمسؤولية واستخدام السلطة خلال فترة وجودهم في الحياة العملية.‏
ولإنجاح برامج الإصلاح يجب اختيار التوقيت المناسب للتنفيذ، ويحتاج إلى تمهيد سياسي على نطاق واسع لتهيئة الرأي العام والجهاز الإداري لعملية الإصلاح تواكبه عملية إعداد الكوادر التي تقوم بتنفيذه من حيث الخبرات والوسائل والأدوات المساعدة لبدء العمل بكفاءة مع توطيد العلاقات بالوحدات التنفيذية في الجهاز الإداري حتى يتحقق التعاون.‏
والخطوة الأخيرة في عملية الإصلاح الإداري تتمثل في تقييم هذا الإصلاح، وقياس النتائج المتحققة ومقارنتها مع المؤشرات المخططة والمعتمدة في البرنامج الإصلاحي من حيث الكفاءة في تنفيذ البرنامج من ناحية الزمن والتكلفة والجودة ومن حيث المنعكسات والآثار الإيجابية التي يتركها برنامج الإصلاح على النظام السياسي أي تحقيق الرضا العام للقطاع الأعظم من المواطنين المتعاملين مع الجهاز الإداري.

برامج الإصلاح الإداري

وللقيام بعملية إصلاح إداري متسارعة الوتيرة في بلدان العالم الثالث لا بد من اعتماد 7 برامج إصلاحية يتم تفعيلها في إطار متواز وبنسب متوازنة في الأداء حددها خبراء الإدارة وذلك لإنجاز خطة إصلاحية قابلة للتقييم والنقد والتعديل المستمر وهي:
- إعداد خطة استراتيجية وتحديد فلسفة العمل والأهداف الكلية للاقتصاد في إطار المرحلة قابلة للتعديل بما يتواءم والسياسات العالمية، وبناء أدوار فعَّالة لقمة الهرم الإداري (رئاسة الدولة، مجلس الوزراء، اللجان الوزارية، الوزراء، المستشارون) مع تحديد الإطار الفكري وتحديد الاتجاه العام لخطوط وبرامج الإصلاح مقرونة بتوفير مستلزمات نجاحها، دون الإغراق في التفاصيل والإجراءات، مع تجهيز وإعداد فرق بحثية للقيام بتحليل السياسات وتوفير خبراء تنحصر مهامهم في تحليل وتشخيص المشكلات وتقديم الحلول البديلة، وإنشاء مجالس استشارية ينحصر مجال عملها في إشراك القطاع الخاص مع الأجهزة الحكومية في وضع السياسات الإصلاحية ، وتدشين مركز خاص بتطوير وتحديث المعلومات لدعم اتخاذ القرار، مع تحسين آليات تنفيذ السياسات والتركيز على التخطيط وإصدار التشريعات اللازمة وتوزيع الاختصاصات بين الأجهزة الحكومية وتخصيص وتوزيع الموارد وغير ذلك، وتحقيق الملاءمة السياسية كالآثار الاجتماعية والسياسية لعمليات التحول نحو إدارة جميع المؤسسات على أسس تجارية أو ما يسمى اصطلاحا بـ(الخصخصة).

سياسات الإصلاح الإداري

ولبناء برنامج إصلاحي فعّال في جميع مؤسسات الدولة يرى خبراء الإدارة ضرورة تنفيذ سياسات إدارية وإصلاحية تهدف إلى دمج الرؤى النظرية في برامج تطبيقية تمّ اختصارها في اثني عشر بنداً يتم العمل بها أيضا في خطوط متوازية ومتسارعة بالوتيرة نفسها وهي:
- إعداد أدلة تنظيمية حديثة لاستخدامها كمراجع للمستويات الإدارية المختلفة تتضمن تحديد الواجبات والمسؤوليات وخطوط السلطة والصلاحيات والعلاقة بين الإدارات المختلفة من أجل إيجاد علاقات عمل واضحة تتفادى الإزدواجية والتداخل في إنجاز الإعمال.
- تطوير القيادات الإدارية وتعزيز التراكم المعرفي لديها من خلال إشاعة الأساليب الإدارية الحديثة في العمل وخاصة أساليب اتخاذ القرارات والتحفيز من خلال تطوير المهارات الإدارية والفنية عن طريق دورات تأهيلية وتطويرية تم التخطيط لها.
- إشاعة مفاهيم الشورى والعمل الجماعي والمشاركة في اتخاذ القرارات لتعزيز القناعة والولاء لدى العاملين في المؤسسات وتقليل مقاومة التغيير التي تصاحب عمليات التطوير والعمل على رفع الروح المعنوية.
- التركيز على اعتماد أساليب المحافظة على الموارد البشرية وتعزيز دورها في العملية الإنتاجية بما يشمل ذلك السعي إلى ربط الأجر بالإنتاجية وتطبيق معايير لتقويم أداء الموظفين ومراعاة ظروف العمل وتحسين البيئة وتعزيز دور السلامة المهنية.
- العمل على وضع برنامج وظيفي شامل يحقق الاستثمارالأفضل لقدرات ومجهودات الموارد البشرية ويستند إلى مجموعة من الدراسات الشاملة من دراسات تخطيط القوى العاملة وتحليل الأعمال ووصف الوظائف واحتساب أعباء الموظفين واختيار الموظفين وإعادة توزيعها وغيرها وصولا إلى الارتفاع بمستوى الأداء الفردي والجماعي ، وزيادة فعالية العملية التدريبية بمختلف أنواعها وربط التدريب بتقويم الأداء وتعزيز حالات الإبداع والتطوير والعمل على وضع خطط تدريب تتناسب مع الاحتياجات التي تحددها منظمات الجهاز الإداري والتعاون بين مراكز ومعاهد التدريب على تلبية تلك المتطلبات بمستوى علمي ومهني عالٍ ، مع الاهتمام ببرامج تقويم الشفافة والنزاهة والمساءلة الإدارية ومكافحة الفساد الإداري لتعزيز انتماء الموظف لوظيفته والتزامه بأخلاقيات وقيم العمل التي تعكس مستوى عاليا من الإخلاص والتفاني، واستخدام التقنيات الحديثة في بناء قواعد المعلومات للإسهام في دعم عمليات وضع الأهداف وتحديد السياسة واتخاذ القرارات،
وتعزيز المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات الإنتاجية والخدمية تجاه المستهلكين لمنتجاتها وخدماتها من حيث النوعية والصلاحية وجودة الاستخدام وحماية البيئة من خلال الالتزام بشروط المحافظة عليها سليمة من التلوث والأضرار الأخرى، وتطوير الأساليب والإجراءات المعتمدة من قبل الجهاز الإداري لتتماشى مع متطلبات التطور والنهوض بالأداء، وتقديم الخدمات للمواطنين، وتوفر المستلزمات اللازمة للتأهيل لتطبيق المواصفات القياسية في الإنتاج والخدمات، وتعزيز أواصر التعاون مع المنظمات والهيئات والمراكز المحلية والإقليمية ذات العلاقة لتنفيذ مشاريع إدارية مشتركة.