راكان المجالي
حين رسم الشهيد ناجي العلي، في مطلع الثمانينيات، أحد الرسميين المُتخمين، مِن المتنفذين الفلسطينيين آنذاك، يحمل «حقيبة دبلوماسية» كُتب على مفاتيحها السرية رقم القرار الدولي الشهير «242»، فإنّه كان يعبّرُ عن آخر أشكال الغروب الرسمي العربي، لفكرة المجابهة العربية كخيار أساسي لحسم الصراع العربي الإسرائيلي. معلنا بذلك بدء عصرٍ فعلي جديد مِن «ماراثون» التسوية السلمية والدبلوماسية لذلك الصراع، بعد أن اكتمل «المزاج العربي» لفكرة التسوية، وجَنح لها، بقبول الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قرار مجلس الأمن «242»، ومِن ثمَّ قبوله في يوليو 1970بخطة «روجرز» المقدَّمة من قبل وزير الخارجية الأمريكية . ولم يغيّر، ما ذكره وزير الحربية المصري الأسبق، الفريق محمد فوزي، في كتاب مذكراته، بأن ذلك القبول بالخطة الأمريكية لم يكن سوى «عملية تكتيكية»، بُغية تمرير جدار صواريخ «سام» عازل، سوفييتية الصنع، تمهيداً لشنِّ حرب عبور بإتجاه الضفة الشرقية لقناة السويس، مِن أجل استعادة سيناء، كخطَّة كانت موضوعة للتنفيذ في عام1971. وهو الأمر نفسه، الذي يحاول تأكيده، حاليا، في برنامجه المرئي «تجربة حياة، الصحفي العربي محمد حسنين هيكل».
فمِن خطة «روجرز»، التي أحدثت الخلاف بين الرئيس عبدالناصر وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، حين رفض المجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد بدورته الاستثنائية في عمّان بصيف عام 1970 الملتهب، القرار الدولي «242»، وكذلك «خطة روجرز»، التي أطلق عليها المجلس الوطني وصف: «المؤامرة الأمريكية ... مِن أجل تصفية الوجود العسكري الفلسطيني في الساحة الأردنية». مِن تلك الخطة، وما تليها من تداعيات فصائلية داخلية فلسطينية، الى أمر توجيهات العمليات السريّ «رقم 3-70»، الذي أصدره الفريق فوزي الى وزير الدفاع العراقي الفريق حمّاد شهاب، في صيف عام 1970، بإلغاء القيادة العربية الموحَّدة للجبهة الشرقية، وذلك مع «آخر ضياء يوم 22 اغسطس 1970» . فمع آخر ذلك الضياء انفتح مشهدٌ عربيٌ آخر، بدءاً مِن ذلك الخريف، الذي كان أبرز سماته وفاة الرئيس عبدالناصر في أواخر سبتمبر مِن العام نفسه. ليرتسم الإتجاه الرسمي العربي بعدها، بما في ذلك الاتجاه الرسمي الفلسطيني، بالميل نحو التسوية للصراع العربي الإسرائيلي، بعيدا عن جبهات القتال العسكرية.
إسرائيليا، تتالى الرفض الرسمي لمشاريع التسوية الغربية والعربية: مِن «مشروع المملكة العربية المتحدة»، الذي طرحه الملك حسين في عام 1972، وحتى «مشروع ريجان»، الذي كانت مرجعيته قرار مجلس الأمن رقم «242» . وصولا الى (اتفاقية أوسلو)، التي ثبت، خلال عقدين تقريبا، أنّ الفهم الإسرائيلي لها هو أقلّ مِن حكم ذاتي «يشمل السكان مِن دون الأرض».
وهنا، يمكن فهم خطة «أفيجودور ليبرمان» السياسية الجديدة، لإحداث «تغيير كلّي في سياسة إسرائيل في قطاع غزّة»، وذلك عبر خطة سياسية، يجري « طرحها على المجتمع الدولي «قريبا، تكون نتيجتها» رفع إسرائيل مسؤوليتها بشكل كامل عن قطاع غزة. بحيث يتحوّل القطاع بموجبها، وبمساعدة أوروبا، إلى «كيان مستقلٍ ومنفصلٍ بالكامل» عن إسرائيل، بما في ذلك أيضا، كتحصيلٍ حاصل، «فصل القطاع عن الضفة الغربية». وهي خطة تستند الى فكرة مؤدّاها: أنَّ الانفصال عن القطاع، زمن آرييل شارون، لم يحظ باعتراف المجتمع الدولي، ولم يجنِّب إسرائيل طلب مواصلة تزويد الفلسطينيين في غزة بجميع إحتياجاتهم، ولم يخفِّض من حجم الإنتقادات الدولية الموجهة لإسرائيل. حيث تحصل إسرائيل بموجب ذلك على «اعتراف دولي بنهاية احتلالها لقطاع غزة». وفي هذا السياق تصبُّ جهود كثيرة، معلنة وسرية، منها: زيارة مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون إلى غزة، الزيارات المرتقبة لوزير الخارجية الإيطالي «فرانكو فراتيني»، ونظيريه الفرنسي «برنار كوشنير»، والاسباني «ميغيل موراتينوس»، للقطاع في بداية سبتمبر المقبل، بما في ذلك مقترحات بشأن إرسال الدول الأوروبية قوة عسكرية دولية إلى المعابر الحدودية، بين «إسرائيل» وقطاع غزة، لإجبار جميع الجهات المعنية على الإلتزام بالتسوية.
بالمحصِّلة، تتَّضح حدود «التسوية»، التي تريدها إسرائيل مع الفلسطينيين، على أنّها يمكن أن تكون أيّ شيء آخر، في الأفكار والمفاهيم والسياسات، باستثناء التعبير المتعارف عليه على أنّه «تسوية»...!! وهو أمر ينبغي أن لا يفاجيء أحدٌ مِن العرب، فالأرقام الدولية السرية، عادة ما تكون معالم على طريق طويل، ولا يراها كلّ أصحاب الأبصار، بل بعض محظوظي البصائر ..!