كمال بن أحمد السليمي :-- (طموح وطموحي الجنة)، هكذا لقب نفسه في أحد المنتديات الإلكترونية العمانية. كانت قد مضت أربعة أشهر منذ انضمامه لأحد هذه المنتديات وكان مشغوفا بها ولا يكاد يفارقها إلا في أوقات الصلاة أو الأكل أو النوم، فلقد وجد فيها الملاذ الآمن لنشر أفكاره الدعوية ونصائحه التربوية النابعة من الدين الإسلامي الحنيف.
لم تكن لديه الطلاقة في الحديث كما أنه لم تكن لديه الجرأة الكافية للوقوف والتحدث أمام الملأ ولكنه كان يمتلك أنامل بيضاء تداعب أزرار الحاسوب فتوصل بسحرها كلماته الجياشة وأفكاره النيرة التي عجزت لسانه عن إيصالها للآخرين. ولقد وصف هذه الأزرار في أبيات جميلة تظهر مد تعلقه وانبهاره بها فقال:
لوح المفاتيح يا أعجوبة الزمن يا من تصور حال السعد والحزن
وترسم الضحك منا لست تخطئه كذا التذمر والإعجاب يأخذني
من قال إنك لوح هل تراه عمى عمّا تبث على الشاشات من شجن
كان همه نصرة هذا الدين والأخذ بيد شباب وشابات الأمة الإسلامية ليهجروا المعاصي ويتقربوا إلى الله بالطاعات فقد وجد نفسه مسؤولا أمام الله عن نصرة دينه وتبليغ دعوته فكان من ضمن ما قاله مناديا الأمة الإسلامية لنصرة دينها، (لا عذر لكم عند الله.. لا عذر لأحدنا عند الله إذا تخاذل عن تجديد دينا يحمل نبيا في إظهاره ما لو تحمله جبل رضوى لاندك، ولاقى في سبيل نصرته من الشدائد ما لو لاقته الشمس لانطفأ نورها فكيف نضيعه اليوم أو نترك الناس تضيعه).
هكذا رأى أنه من واجبنا كمسلمين أن نحمي ديننا الحنيف الذي تحمل نبينا الكريم من أجل نصرته ما تعجز أن تحمله أقوى وأصمد مخلوقات الله فكيف لنا أن نضيعه اليوم أو نتهاون في نصح من يتخاذل عن نصرته!
كان يقرأ باستمرار كل ما هو مفيد وهادف ويستخلص من قراءاته حكما وأفكارا ومواعظ فيبثها بأسلوب راقٍ عبر المنتدى الإلكتروني ليستفيد منها الآخرون كما أنه كان كثيرا ما يثير نقاطا ساخنة للنقاش يهدف من خلالها أن يدفع بعقول شباب الأمة الإسلامية للتدبر والتفكير فلعلهم يستيقظون يوما ويغيروا واقعهم المشهود!.
لم يكن ينتظر من كل هذا جزاء ولا شكورا، كما أنه لم يكن يجري وراء شهرة أو مال أو منصب، فقد كان إنسانا مجهولا أمام مرتادي المنتدى لا يعرفون سوى لقبه (طموح وطموحي الجنة)، إذا هي الجنة التي كان يطمح لها ويعمل من أجلها وينصر دين الله من أجل أن يكافئه الله بها!.
انقضت ثلاثة أشهر منذ انضمامه إلى المنتدى وها هو يبعث برسالة وداع يستسمح فيها مرتادي المنتدى ويعتذر لهم إن كان قد قصر في حق أحدهم لأنه أخيرا قرر أن يعتزل المنتدى فقد أحس أنه أدمن عليه فكان يأوي إليه كلما انزعج أو تضايق من أمر ما فكان المنتدى الملاذ الذي يحميه من مآسي الزمان والدواء الذي يخفف عنه آهات الأيام، فقرر أن يهجره لأنه رفض أن يكون عبدا لأي شيء غير الله وخاف ان استمر في المداومة عليه أن ينسيه مناجاة الله، فقرر الرحيل؛ ولكنه لم يلبث أن عاد إلى المنتدى ثانية فلقد تعودت أنامله أن ترتاد أزرار ذلك الحاسوب وتبث بسحرها كل ما يختلج بداخله من أفكار وتصورات وقصص وعبر ودعوات ولكن هذه المرة لم يعد إلا ليرحل رحلة اللاعودة فقد حان أجله فاختاره ربه ليسكن إلى جواره في عمر لا يتجاوز الثانية والعشرين.. نعم لقد توفي إثر نزيف مفاجئ في الدماغ فرحل تاركا لنا بصمة مشاركاته في المنتدى لنستنير بها وربما لنستلم الراية من بعده ونحذو حذوه في نصرة هذا الدين ونطمح للذي طمح، الجنة... نعم الجنة!.