د. عبدالإله بلقزيز - أكاديمي وكاتب مغربي :-- ليس عسيراً على المرء وإن يكن مشغولا بتوطين قيم المعرفة والموضوعية في تفكيره، أن يلتمس للايديولوجيا شرعية، ذلك أن شرعيتها مستمدة من التاريخ والمجتمع والمصالح والمطامح والرغائب، والناس لا يفكرون في العالم والأشياء بدافع البحث عن الحقيقة فقط، أو حتى بدافع الرغبة في فهمها وادراك مبهماتها على نحو صحيح وأقل اضطرابا، وإنما هم «قد» يفكرون فيها بدافع الحاجة والمصلحة أيضا، فتحملهم الرغبة في تغيير شروط حياتهم أو تحسينها، أو الرغبة في بلوغ هدف اجتماعي ـ جماعي أو شخصي ـ مرتجى على طريقة في التفكير لا يحتل فيها هاجس الحقيقة مكاناً أو لا يشكل حيزا في ذلك التفكير إلا مساحة محدودة جدا. قد يطابق معنى الايديولوجيا، في هذه الحال، معنى الطوبى «= اليوتوبيا» ـ على نحو ما.
ولكن بما أنها تطلع مشروع إلى واقع مختلف مأمول لا يماهي تخيّلا افتراضيا غير ممكن التحقيق، وقد يطابق معناها معنى الرؤية البراغماتية، فتكون ـ حينها ـ شديدة الاتصال بالواقع، لكنها ـ في الحالين ـ لا ترادف في المعنى الوعي الخاطئ والمغلوط على نحو تعريف ماكرس وألتوسير لها.
لكن الصلة ليست مقطوعة تماماً بين الوجه الاجتماعي ـ السياسي والوجه المعرفي للايديولوجيا وإن كان الفصل بينهما منهجياً مما يجوز، بل مما تحمل عليه الضرورة المعرفية. فإذا كانت الايديولوجيات تتساوى في درجة ما تحمله من هواجس اجتماعية ومصلحية وينبغية، أي في طبيعتها كنظرة تؤسسها المصالح، فقد تختلف أو تتمايز من حيث مضمونها الاجتماعي والسياسي، والأهم أنها قد تتمايز من حيث درجة التماسك فيها: التماسك في المقدمات والفرضيات ومنهج التفكير والبناء.
وبهذا المعنى، فإن في كل ايديولوجيا ـ ومهما غالت في انغماسها المجتمعي ـ قدراً من المعرفة والبناء المعرفي ليس يمكن الاغضاء عنه. وقد يسعنا، في هذه الحال، أن تفسّر القدرة التعبوية والتأثيرية لايديولوجيا ما في وسط الجمهور المخاطب بقوتها المعرفية أو الفكرية لا بما تحمله من وعود وتبشّر به من قيم وأهداف فحسب، على الأقل بالنسبة إلى شريحة من ذلك الجمهور المخاطب، هي النخبة.
لا يهمنا الوجه الثاني من الصلة بين المعرفي والاجتماعي في الايديولوجيا، حيث يتلبّس البعد المعرفي في الايديولوجيا قدرا يزيد أو ينقص ـ حسب الأحوال ـ من الهاجس الاجتماعي يكيّفه وقد يحدد طريقة التفكير والبناء المنهجي والاستنتاج، إنما يعنينا الوجه الأول منها الذي إليه أشرنا في الفقرة السابقة.
ولعل أهم ما يشغلنا في ذلك الوجه ـ في مقام الحديث هذا ـ القيمة المضافة التي قد يضفيها بناء معرفي محكم ومقنع على ايديولوجيا ما، علماً بأن مثل ذلك البناء لا يغيّر في شيء من حقيقة أنها ايديولوجيا مشدودة إلى المصلحة لا إلى الحقيقة. وهنا لا بد من تبديد اعتقاد (علموي) شائع لدى المتحسسين من كل ما هو ايديولوجي، بأن إحاطة فكرة ايديولوجية ما بالتهيئة والبناء المعرفيين إنما هي محاولة مستحيلة لتغليط الوعي من طريق الإيماء بمضمون صحيح وموضوعي لفكر ايديولوجي عارٍ من الصحة والموضوعية، أو محاولة لتزويق الفكرة الايديولوجية بمساحيق علمية من أجل إعادة تأهيلها لأداء وظائفها التقليدية التضليلية... الخ، هذا اعتقاد (علموي) مثل ما وصفناه، لأنه يضع الايديولوجيا في مقابل العالم ناظراً إليها من زاوية ايبيستسيمولوجية صرف تشغلها ثنائية الصواب والخطأ، ومعرضاً عن النظر إلى أدوارها ووظائفها الاجتماعية والسياسية والثقافية، ناهيك بأنه يحول العلم إلى عقيدة جديدة جامدة «دوغما» فلا يلتفت إلى ما في حقائقه من نسبية وقابلية للتغيّر.
ما الذي تضيفه المعرفة إلى الايديولوجيا إذا لم يكن في وسعها أن تغيّر من طبيعتها ومضمونها؟
ليس من سبيل إلى الجواب عن هذا السؤال إلا من طريق التشديد على حقيقة غير قابلة للإنكار هي أن الايديولوجيا ليست شيئاً آخر سوى أنها شكل من أشكال الوعي بالعالم والأشياء.
إنها ليست معرفة بالمعنى الايبيستيمولوجي كالعلم مثلا، لكنها تمثل للظواهر تحكمه قواعد غير قواعد الحقيقة والزيف، الصواب والخطأ، الصدق والكذب، هي القواعد التي ذكرناها قبلا والمتصلة شديدة الاتصال بالمجتمع والحاجات والرغائب والمصالح.
في الايديولوجيا لا تبحث عن مقدار الحقيقة فيها، وإنما عن مقدار ما تحمله من إمكان اجتماعي. ليست الايديولوجيا الليبرالية علما، بل رؤية للسياسة والاجتماع والاقتصاد والعلاقات العامة. وحين يعتنقها قد يعتنقها من الناس، فليس لأنها تقدم حقائق، وإنما لأنها تجيب عن مطالب ورغبات. لكن الايديولوجيا لا تملك أن تمارس التأثير المطلوب في الناس إلا متى تمتعت بالتماسك والقوة الإقناعية اللازمين لإحداث ذلك التأثير، إذ هي ـ في النهاية ـ رؤية وتمثل ووعي بالعالم والظواهر والعلاقات والمؤسسات، وإقامتها ـ لذلك السبب ـ على مقتضى فكري متماسك هو ما يشكّل شرطاً لجاذبيتها وقدرتها الإقناعية.
المعرفة، بهذا المعنى، تضيف إلى الايديولوجيا وتجدد قدرتها على الاستمرار لأنها ترفع من معدّل الإقناع فيها، كلما استندت ايديولوجيا سياسية إلى الفكر، زادت حظوظها من القوة والنفوذ، وكلما انفصلت عن الفكر انحطّت إلى مستوى الخطاب الدعوي الحركي وتحولت إلى شعبوية مبتذلة، وأغلب الايديولوجيات التي انحطت إنما كان انحطاطها ثمرة انفصالها عن ينابيعها الفكرية.