اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

النظرة الغربية للعرب

Thu, 29 يوليو 2010

السيد يسين - مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية :-- من المهم في حوار الثقافات الذي يدور بصورة مباشرة وغير مباشرة بين العرب والغرب، أن ننطلق من حقيقة أساسية مفادها أن العرب ليسوا جبهة واحدة لا تباين بين اتجاهاتها، وكذلك الغرب ليس كتلة صماء وحيدة البعد.
ومعنى ذلك أنه ينبغي وضع تعدد الأبعاد الفكرية والإيديولوجية وقبل ذلك الاتجاهات السياسية هنا وهناك.
بعبارة أخرى هناك في العالم العربي اتجاهات تتبنى موقفاً معادياً للغرب سياسة وثقافة وكأنه كتلة واحدة. وهذه المواقف المعادية للغرب التي تنطلق من منابع إيديولوجية عربية متعددة تتعدد أسباب معاداتها للغرب.
فهناك اتجاهات إسلامية متطرفة لا ترى في الغرب إلا كفرا مبينا وضلالا مطلقاً بل ورمزاً على الانحلال الأخلاقي والتخلي عن كل القيم.
غير أن هناك اتجاهات عربية يسارية وإن كانت تهاجم إيديولوجيا هذه الاتجاهات الإسلامية المتطرفة إلا أنها أيضاً تأخذ من الغرب الرأسمالي موقف العداء المطلق على أساس أنه رمز على الإمبريالية الرأسية والهيمنة الغربية.
هكذا كان موقف هذه التيارات منذ زمن بعيد، وزادت حدة رفضه بعد انتشار موجات العولمة الرأسمالية التي غزت أسواق العالم الثالث وأصبحت رمزاً للاستغلال الاقتصادي، والذي أدى إلى تهميش عديد من الدول النامية لعجزها عن المنافسة العالمية، بالإضافة إلى سقوط شرائح اجتماعية متعددة داخل عديد من الدول النامية في دوائر الفقر بحكم احتكار القلة من رجال الأعمال الذي يتعاملون مع السوق العالمية لمصادر الإنتاج.
(1)
وقد أدت هذه النظرات العدائية المطلقة لبعض العرب ضد الغرب ولبعض الغربيين ضد العرب إلى نشوء اتجاهات معادية أدت إلى تشويه الصورة القومية لكل طرف في إدراكات الطرف الآخر. فالغربي في نظر بعض التيارات العربية المتطرفة رمز للاستعمار والاستغلال بل رمز للانحلال الأخلاقي.
والعربي في نظر بعض التيارات الغربية رمز للتخلف والتطرف.
وقد أدت أحداث سبتمبر الإرهابية 11/ 9 والتي وجهت إلى رموز القوة الأمريكية السياسية والاقتصادية والعسكرية والتي تقول الرواية الأمريكية الرسمية أن الذين خططوا لها وقاموا بها عرب مسلمون إلى التشويه الكامل لصورة العربي المسلم.
وأصبح الإدراك الغربي السائد في دوائر الحكم الغربية ولدى الجماهير على السواء هو أن العربي المسلم يمثل الإرهابي. بعبارة أخرى شاع الإدراك الغربي في دوائر غربية متعددة وكان المسلمون إرهابيون بالطبيعة، بل وزادت حدة التطرف الغربي في بعض الكتابات التي رأت أن الإسلام نفسه كدين يحض على العنف والعدوان.
وقد ترتب على هذه الصورة النمطية الثابتة للعرب والمسلمين والإسلام نتائج خطيرة سياسية وثقافية على السواء.
على الصعيد السياسي صاغ عدد من الخبراء الغربيين المتخصصين في العالم العربي والإسلامي نظريات تحاول تفسير شيوع الفكر المتطرف والذي أدى بعديد من الجماعات الإسلامية في مختلف البلاد إلى الإرهاب العديم.
وهذه النظريات تركز أساساً على طبيعة النظم السياسية السائدة في هذه البلاد والتي هي نظم شمولية أو سلطوية تمارس الحكم بناء على قهر الجماهير وفي غيبة مؤسسات سياسية ديمقراطية قادرة على محاسبة الحكام.
وهذا القهر السلطوي الواسع–عند أصحاب هذه النظريات– هو الذي أدى إلى شيوع الفكر الديني المتطرف والذي هو احتجاج مقنع على الاستيراد السائد. غير أن هذا الاحتجاج – تحت تأثير ظروف سياسية واقتصادية متعددة – تحول إلى احتجاج صريح ضد النظم المستبدة – في نظر أعضاء هذه الجماعات المتطرفة – واتخذ شكل الإرهاب المنظم الذي يهدف أساساً إلى قلب النظم القائمة باعتبارها نظماً علمانية كافرة تطبق قوانين وضعية مع أن الحاكمية لله كما ترى هذه الجماعات.
وقد أدى هذا الإرهاب الموجه للدول إلى إرهاب موجه للجماهير بعد أن اتسع نطاقه، وأصبح يضرب ضربات عشوائية مما أدى إلى سقوط عشرات المدنيين الذين لا علاقة لهم بسلطات الدولة. بمعنى أنهم ليسوا من أعضاء الطبقة السياسية الذين استهدفوا بالاغتيال وليسوا كذلك من أعضاء أجهزة الأمن التي تتصدى للإرهاب وإنما هم مجرد مواطنين كانوا موجودين بمحض المصادفة في المواقع التي اختارها الإرهابيون للهجوم على رموز السلطة المستبدة.
وبناء على هذه النظرية الغربية وضعت بعض الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيات سياسية وثقافية على السواء.
وفي مقدمة الاستراتيجيات السياسية محاولة وضع كيان سياسي جديد أطلق عليه الشرق الأوسط الكبير، وقد تمثلت مقدمات هذا المشروع في المناقشات الاستراتيجية التي أدارتها النخبة السياسية الأمريكية حول دور الولايات المتحدة الأمريكية في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد حدث إجماع لدى مختلف اتجاهات أعضاء هذه النخبة الذين توزعوا بين الجمهوريين والديمقراطيين على أن الولايات المتحدة الأمريكية ينبغي أن تكون القوة المسيطرة على إدارة العالم في القرن الجديد.
وقد عرض لهذه المناقشات الاستراتيجية وحللها بطريقة ممتازة الأستاذ عاطف الغمري الكاتب السياسي بجريدة (الأهرام) المصرية في كتابه المهم (الشرق الأوسط الكبير) (القاهرة، 2004).
ويقرر الغمري في نهاية مقدمة لكتابه أن مشروع الشرق الأوسط الكبير نشأ لجزء مهم ورئيسي من نظرة المحافظين الجدد لأنفسهم وللعالم، دون أن ينعزلوا عن المسار الثاني لرؤيتهم الإيديولوجية للمنطقة بالتمكن لإسرائيل من وضع الهيمنة في (الشرق الأوسط).
وقد أشار الرئيس بوش إلى هذا التوجه حين ذهب في مارس 2003 – أي قبل حرب العراق بأسبوعين – إلى أمريكا انتريز وهو معقل المحافظين الجدد وألقى خطابا عن رؤيته الكبرى للعراق وأكد أن هذا البلد الذي عومل بوحشية ستعاد صياغته بالحرب بشكل مختلف، وذلك بترسيخ المظاهرات الأمريكية الديمقراطية مما سيعود عليه بالرخاء والسلام، والذي سيمتد إلى الشرق الأوسط كله، لأن تحرير العراق سيكون هو المثل والقدوة،ومن هنا نبعت فكرة الشرق الأوسط الكبير.
ويقوم هذا المشروع على فكرة محورية مفادها أن العالم العربي هو مصدر الخطر الجديد، فهو ينتج أفراداً وحركات متطرفة تملك من وسائل التكنولوجيا المتقدمة وأسلحة الدمار الشامل ما يجعلهم قادرين على توجيه ضربات إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم ينبغي القضاء عليهم عن طريق الضربات العسكرية الوقائية.
وهكذا اعتبر الشرق الأوسط الإسلامي هو منبع الإرهاب الذي ينبغي القضاء عليه نهائياً.
وقد أورد الغمري في كتابه نص مشروع الشرق الأوسط الكبير نقلاً عن جريدة الحياة التي نشرته في 3 فبراير 2004.
ويقول نص المشروع إن الشرق الأوسط الكبير يمثل تحدياً وفرصة فريدة للمجتمع الدولي. وقد ساهمت النواقص الثلاثة التي حددها تقرير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية الذي صدر في عامي 2002، 2003 والذي حررهما فريق من الباحثين العرب وهي نقص الحرية ونقص المعرفة وتدني وضع المرأة. في خلق الظروف التي تهدد المصالح الوطنية للدول الغربية.
وذلك على أساس أن تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة سيؤدي إلى زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة.
ويقرر نص المشروع أن مجموع إجمالي الدخل لبلدان جامعة الدول العربية الـ 22 هل أقل من نظيره في أسبانيا، وأن حوالي 40% من العرب البالغين - وعددهم 65 مليون شخص أميون، وتشكل النساء ثلثي هذا العدد. وسيدخل أكثر من 50 مليونا من الشباب سوق العمل بحلول عام 2010، وسيدخلها بحلول 2010 مائة مليون شاب، وهناك حاجة لخلق ما لا يقل عن 6 ملايين وظيفة جديدة لامتصاص هؤلاء الوافدين الجدد إلى سوق العمل.
وبناء على هذا التوصيف استقر الرأي على مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي تحتاج إلى تحليل متعمق تقومك به في مرة قادمة.