هشام منور
إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد اتخذت كلحظة تدشينية أعلنت من خلالها دول العالم، والولايات المتحدة الأمريكية بالذات، حربها على التنظيمات الإسلامية المسلحة، وبالذات تنظيم القاعدة وطالبان في ذلك الوقت، فإن ذات التاريخ قد دشن في الوقت نفسه سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومات في جميع أنحاء العالم ذريعة لتشديد الرقابة على الإنترنت.
(إيشيلون) هو الاسم الذي أنشأت تحته حكومة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية نظاماً إلكترونياً يسجل الاتصالات التليفونية واتصالات الفاكس في كل أنحاء العالم، للبحث فيها عن معلومات مفيدة. ومنذ مسيرة النصر التي حققتها شبكة الإنترنت، يراقب نظام (ايشيلون) البريد الالكتروني وتبادل المعلومات أيضاً، وقد اعتبر هذا الأمر طيلة عقود من السنين أمراً سرياً حتى أن واشنطن كانت تنكر وجود هذا النظام. وبعد ستة أيام فقط من نشر التقرير النهائي لإيشيلون، شهدت الولايات المتحدة من خلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 فشلاً ذريعاً في عملها الاستكشافي. فجرى توسيع مراقبة الإنترنت والهاتف على نطاق عالمي على حوالي 155 مليون شخص من مستخدمي الإنترنت في البلاد نفسها. ووضع كارنيفور carnivore، وهو اسم البرنامج الذي ينبغي أن يحقق ذلك - ويعني بالايطالية هاوي اللحوم، موضع التنفيذ للاستراتيجية الجديدة. وحسب معلومات لمنظمة الصحفيين «مراسلون بلا حدود»، ركّب موظفو الشرطة الفيدرالية البرنامج لدى جميع شركات خدمات الإنترنت الكبيرة في الولايات المتحدة بعد ساعات قليلة من وقوع الاعتداء على مركز التجارة العالمي.
والحال أن همام البلوي، منفذ عملية خوست الشهيرة في أفغانستان ضد عناصر المخابرات الأمريكية، لم يلتق أياً من زعماء التنظيمات السلفية الجهادية أو المحسوبة على تنظيم القاعدة في حياته، لكنه مشبع بالأفكار التي تروج لها هذه التنظيمات. فكثير من الشباب لم يحتاجوا للقاء «مشايخ الجهاد»، وكل ما يريد أن يقرأه ويسمعه موجود في الفضاء الإلكتروني. سلسلة العمليات الأخيرة التي تبناها تنظيم القاعدة وطالبان نفذها أشخاص اعتنقوا فكر القاعدة، ودشنوا لظهور «الجيل الثالث» من أتباع هذا التنظيم. فالعملية التي نفذها (هُمام البلوي) في خوست الأفغانية، وقُتل خلالها سبعة ضباط من المخابرات الأمريكية وضابط أردني، وعملية الضابط الأمريكي (نضال حسن) التي قتل خلالها 19 جندياً أمريكياً في قاعدة عسكرية بولاية تكساس، إضافة إلى عملية النيجيري (عمر الفاروق) بينها رابط واحد، فكل هؤلاء وغيرهم نفذوا عملياتهم بناء على تواصلهم مع الفضاء الإلكتروني لتنظيم القاعدة.
وفي دراسة عن تنظيم القاعدة، تشير الدراسة أن تنظيم القاعدة تجاوز التنافس الإلكتروني والنجاح في خوض الحرب الإعلامية النفسية مع أكثر الأجهزة الأمنية والإعلامية مهنية وتقنية ودربة، بل تمكن من تطوير قدراته الأمنية على الشبكة الافتراضية ليصبح أبرز أسرار نجاحه في الصمود والتواصل والتحايل في جهاده الإلكتروني. حتى الولايات المتحدة اعترفت بتفوق القاعدة في حربها الإعلامية الإلكترونية، فمنذ الإعلان عن تأسيس الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبين عام 1998 زاد عدد مواقع القاعدة الإلكترونية من 12 موقعاً في ذلك الوقت إلى أكثر من ستة آلاف موقع اليوم.
من جهة أخرى ظهر استخدام أجهزة الاستخبارات للمواقع الجهادية بغرض استدراج «الجهاديين الجدد»، إذ كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قبل أيام أن المخابرات الأمريكية فككت موقعاً إلكترونياً أنشأته بالتعاون مع الاستخبارات السعودية «لاستدراج الإرهابيين» بعدما اكتشفت أن «بعض المتشددين» نجحوا في استخدامه في الساحة العراقية. وذكرت الصحيفة أن هذا «التفكيك» أغضب السعوديين «كونهم خسروا مصدراً مهماً للمعلومات»، كما زعمت الصحيفة الأمريكية.
وعزز ما نشرته واشنطن بوست حوادث اعتقال وتحقيق تعرض لها «جهاديون» في الأردن ودول أخرى بسبب نشاطهم عبر المواقع الإلكترونية. ومن هؤلاء هُمام البلوي الذي اعتقل العام الماضي لنشاطه عبر المواقع «الجهادية» تحت اسم «أبو دجانة الخراساني». كما تحاكم الولايات المتحدة حاليا الشاب الأردني (حسام الصمادي) بعدما استدرجته المباحث الاتحادية الأمريكية عبر أحد المواقع الجهادية وأقنعته - وفق الرواية الأمريكية - لتنفيذ عملية كبرى ضد ناطحة سحاب في مدينة دالاس.
إلا أن البعض من المحللين والمتابعين لشؤون الجماعات الإسلامية ينفون أن تكون القاعدة وحدها هي من نجح في استخدام الحرب الإلكترونية من بين التنظيمات الإسلامية. فمن الصعب الحديث عن شكل واحد ووحيد للجهاد الإلكتروني، وحشر هذا النوع من الحرب في تيار السلفية الجهادية وذيول تنظيم القاعدة ليس صحيحاً تماماً. فهذا النوع من الجهاد كان ولا يزال جزءًا لا يتجزأ من نشاط سائر حركات المقاومة الإسلامية ذات الصبغة الوطنية ، فقد استخدمته حماس في الساحة الفلسطينية بقوة لافتة منذ ظهور الإنترنت نهاية التسعينيات، إضافة إلى قوى المقاومة العراقية البعيدة عن القاعدة حيث لم تتوان هذه الحركات عن استخدامه في التحريض وتعبئة العناصر والأنصار وعموم الجماهير، فضلاً عن التواصل فيما بين شبكاتها وعناصرها، دون أن ننسى الحرب الالكترونية التي يخوضها حزب الله اللبناني ضد اسرائيل. إلا أن نجاح أنظمة السلفية الجهادية أكثر من غيرها في هذا النوع من الحرب يعود إلى طبيعتها الموغلة في السرية، فالجهاد الإلكتروني بات حقيقة واقعة تبدأ من بعض كلمات تكتب في سياق التعقيب على مقال أو خبر، ولا تنتهي بالتجنيد والتحريض وبث الأوامر والتعليمات.
استخدام الانترنت من قبل الجماعات الإرهابية، ولاسيما ذات صبغة أصولية، كان محور العديد من الدراسات والتقارير الصحفية، وعقد مجلس النواب الأمريكي جلسة استماع خاصة لمناقشة تزايد استخدام الانترنت من قبل الجماعات المسلحة الإسلامية، شارك فيها العديد من الشخصيات السياسية والأمنية والعلمية، ورئيس معهد «ميمري» – معهد دراسات إعلام الشرق الأوسط (MEMRI) «ايجال كارمون» والمالك المسجل لموقع المعهد الالكتروني، والذي قضي 22 عاماً في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، فضلاً عن عمله كمستشار لمواجهة الإرهاب لكل من «اسحاق شامير» و«اسحاق رابين».
واستندت تلك المناقشات إلى دراسة أعدها المعهد، شارك في إعدادها فريق من العاملين فيه، بعنوان «أين تُستضاف المواقع الجهادية الإسلامية؟ وما العمل؟». وهدفت تلك الدراسة إلى تسليط الضوء على المواقع الجهادية الإسلامية الأصولية التي يستضيفها مزودي خدمات الانترنت (Internet Service Providers ) (ISPs) الغربية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وركزت على الجهود التي يجب اتخاذها لمواجهة تنامي تلك المواقع، وتلك المؤيدة لها، مرجعة ذلك إلى أن أغلب خادمات الانترنت المستضيفة للمواقع الجهادية لا تعرف ما تحويه من مادة؛ للفجوة اللغوية، فغالبيتها ناطقة باللغة العربية.
وتنطلق الدراسة من أن الجماعات الإسلامية المتطرفة نجحت مؤخراً في استخدام شبكة الانترنت وما تتيحه من تكنولوجيا، وهو ما أكدته التقديرات الاستخباراتية الوطنية الأمريكية، ولاسيما السلفية منها، التي تتبني خطاباً وأعمالاً معادية للولايات المتحدة، والتي تتزايد داخل الأوساط الشعبية الغربية والأمريكية. وتستخدم الجماعات المتطرفة الانترنت لسببين، الأول، يتعلق بالجوانب العملياتية، والثاني، بنشر الدعوة وأفكارها (الترويج للإسلام من وجه نظرها).
وتستخدم المنظمات والجماعات الإرهابية شبكة الانترنت كأداة للتدريب العسكري لعناصرها من خلال نشر كتيبات عن الأسلحة، تكتيكات القتال، صنع المتفجرات، تقديم دورات في صنع المتفجرات وإرشادات حول كيفية صناعها محلياً وفي المنازل، وموضوعات أخرى ذات الصلة على غرارمجلة «معسكر البتار» التابعة لتنظيم القاعدة ذات الطبيعة عسكرية، والمنشورة على الانترنت والتي تنشرها «جماعة المجاهدين في الجزيرة العربية». ولا يقتصر الأمر على تقديم المعلومات والاتصال بأعضاء التنظيم، ولكن أخذ هذا النشاط منحنى أكثر تهديداً تمثل فيما أصبح يعرف بـ«الجهاد الالكتروني». كما استخدمت الجماعات الجهادية شبكات الانترنت في نشر عقائدها وأفكارها، فتنظيم القاعدة يضم قسماً خاص بالمعلومات وشركة إعلام نشطة جداً «شركة السحاب»، وعلى نفس فضلاً عن العديد من الشركات الإعلامية المستقلة التي تخدم تلك التنظيمات على غرار الجبهة الإسلامية الإعلامية العالمية (GIMF)، التي تُنكر أي رابط بتنظيم القاعدة، ولكنها تبث الرسائل التي يتبنى فيها التنظيم مسؤوليته عن العمليات الإرهابية، كما أسست تلك الجبهة «كتائب الجهاد الإعلامي». ومن أشهر تلك المواقع التي تتهمها الحكومة الأمريكية منتدى «شبكة أخبار العالم» الذي يضم العديد من رسائل المنظمات من بينها القاعدة، والدولة الإسلامية بالعراق، وعدد من المنظمات الجهادية في العراق ومنتدى «الساحة» الذي يضم إنتاج شركة «السحاب»، وخطابات قيادات تنظيم القاعدة، وبعض المواقع الإسلامية التي تخصص أقساماً خاصة لشركات الإعلام الجهادية، مثل منتدى «النُصرة» المنتمي إلى الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية.
ونظراً للجهود والقيود التي تفرضها الدول العربية علي نشاط الجماعات الأصولية واستخدامها للإنترنت، اتجهت تلك الجماعات إلى مزودي خدمات الانترنت في الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية؛ لما تمنحه تلك الدول من حرية في التعبير عن الرأي والاعتقاد والحرية في نشر ما تريده من أفكار ورسائل. وقدمت الدراسة أسماء بعض المواقع الجهادية ومزودي الخدمات في الدول الغربية التي تستضيفها، وهي تخلط فيها بين المواقع التابعة لتنظيم القاعدة وطالبان ودولة العراق الإسلامية، وبين المواقع التابعة للتنظيمات المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق، وبين بعض المنتديات الإسلامية، ومواقع بعض الشيوخ والعلماء المسلمين. وهو ما يدل على أن أسلوب تعامل الغرب مع تنظيم القاعدة في الحرب الالكترونية القائمة بينهما لا يزال يميل في ميزانه لصالح الجماعات الإسلامية المسلحة، نظراً لعامل اللغة المعيق لفهم محتوى تلك المواقع، والعقلية الأمنية التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع هذه المواقع والمنتديات، وهو ما يستثير المحايدين والوسطيين من الإسلاميين، ويغريهم بالاقتراب من الجماعات المتشددة وتنظيم القاعدة.