عـلاء ســالم :-- ثمة مقولة تصل إلى حد الإجماع السياسي، وهي أن تحقيق التسوية وإجبار إسرائيل على استحقاقاتها مرتبط بطبيعة الدور الأمريكي فيها. فإذا استمر هذا الدور على مجرد الوسيط الظاهري، فإنه لا تسوية ممكنة بالأفق المنظور، وهو ما يعني مزيدا من الضغوط على الطرفين الفلسطيني والعربي لتقديم تنازلات سياسية، وإذا انتقل هذا الدور كحاضن للتسوية وممارسة دور الوساطة بمفهومها الضاغط، هنا يمكن توقع حدوث تلك التسوية.
والسؤال الكبير، لدى إدارة أوباما في مثل هذا التوقيت السياسي، القدرة على إجبار إسرائيل على القبول بالتسوية التي اتفق ضمنياً عليها من قبل..؟ والإجابة بالقطع لا، ومبعث هذا ليس افتقاد القدرة التي مُورست من قبل على نطاق محدود، وإنما لوجود استحقاق انتخابي في نوفمبر 2010، بات يقلق الإدارة الديمقراطية، ويجعلها تعيد توجيه حركتها استعداداً لهذا الاستحقاق المصيري لها. وكانت زيارة نتانياهو لواشنطن يوم 6 يوليو 2010، مؤشراً على هذا التحول في موقف الإدارة الأمريكية من إسرائيل والتسوية. إذ إن إدارة أوباما بدت خلالها وبعدها ليست هي التي دخلت في صراع سياسي وعلني مع نتانياهو من أجل التسوية.
حيث بدا أن التوافق بالمصالح بين البلدين طغى على محددات الصراع. بحيث باتت لدينا معادلة جديدة للتسوية.
وهذه المعادلة الجديدة على الأقل بمداها الآني ــ المنظور، تستند إلى ضرورة الانتقال لمفاوضات مباشرة لا تقود إلى فشل سياسي يحرج الجميع، وفي نفس الوقت غير مثمرة سياسياً بعد تباين الطرح الفلسطيني والإسرائيلي إزاء مخرجاتها. فالمطلوب إذن، إدارة عملية التسوية بشكل يحقق الاستفادة للجميع وليس حل الصراع بشكل نهائي، لكون الجميع غير قادر رغم التصريحات الإعلامية على تحمل تبعات هذا الحل بشكل واع وحقيقي. وتلك القناعة أتت مع حدوث تحولين رئيسيين في آلية التعاطي مع التسوية:
- أولهما: التعارض بين رؤيتين، الأولى واقعية في قراءتها للشرق الأوسط: التحديات التي تواجهها المنطقة سواء على صعيد التفاعلات البينية أو في علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتبنتها إدارة أوباما في محاولة لإنهاء الطابع العقائدي الذي ميز السياسة الأمريكية طوال حقبة سلفه بوش الابن. والثانية، تبناها نتانياهو وهي أكثر تشدداً سواء في رؤيتها للتفاعلات الإقليمية وفي علاقات المنطقة بالولايات المتحدة. والجدل هنا في طريقة ترتيب الأولويات السياسية، ففي حين أعطت إدارة أوباما أولويتها السياسية لحل الصراع العربي ــ الإسرائيلي بوصفه نواة عدم الاستقرار الاستراتيجي بالمنطقة، فإن نتانياهو أعطى للخطر الأصولي والتهديد الإيراني تلك الأولوية.
- ثانيهما: بروز مقاربة جديدة، بعدما توصل أوباما لقناعة بأن طريقة الضغوط العلنية على نتانياهو، لن يفيد عملية التسوية، مثلما يكون التعامل الإيجابي معه، إذ إن احتضانه يمكن أن يحقق نتائج أفضل من المواجهة، سواء على صعيد عملية التسوية، أو إعادة بناء العلاقات الإقليمية للحد من التحديات الحادثة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وقد أملت محددات هذا الوفاق الجديد، طبيعة الرهانات السياسية التي بات الطرفان تحت ضغوطها المتزايدة، وفي مقدمتها استطلاعات الرأي العام ذات الأثر العكسي لدى أوباما ونتانياهو. ففي إسرائيل توجد أغلبية معقولة تؤيد نهج نتانياهو بالتفاوض والتشدد، وفي المقابل هناك رأي عام أمريكي رغم الإنجازات التشريعية التي تحققت، إلا أن هناك نفوراً عاماً من المؤسسة الحزبية، بحيث باتت الأغلبية التي يتمتع بها الديمقراطيون بالكونجرس مهددة وبشكل حقيقي، في ضوء رأي عام بدأ يتحول عن المؤسسية Establishment الحزبية لصالح الجماعات والقوى الجديدة، والأهم أنه يرى في وجود معارضة جمهورية داخل الكونجرس مفيداً.
كان السؤال الكبير بعد هذا التحول، ليس في نجاح نتانياهو في تحييد الدور الأمريكي في عملية التسوية من عدمه، وإنما الأهم في طبيعة المحددات التي قادت لهذا التحول. إذ أن شيوع مقولة إن نتانياهو فرض رؤيته السياسية على إدارة أوباما، بعدما كلت تلك الإدارة من ممارسة الضغوط التي لا طائل منها على إسرائيل، في حاجة إلى المراجعة. ولذا فإن هذا التحول، مرتبط بثلاثة محددات حاكمة له:
المحدد الأول: وجود إدراك عام داخل الإدارة الأمريكية أن اشتراطات التسوية السياسية ما زالت غير متوافرة.
فعلى الساحة الفلسطينية هناك الانقسام الجيو ــ سياسي المقصود، فلا إسرائيل مكنت سلطة عباس من الاستحواذ على الخيار الفلسطيني عبر جعل الضفة مكاناً جاذباً لخيار التسوية السياسية، ولا الحصار الدولي على حماس افقدها القدرة على البقاء وتحييد خيار المقاومة.
أما على الساحة الإسرائيلية، فالوضع أكثر تعقيداً في ضوء التركيبة الحكومية الحالية، الرافضة لمبدأ الأرض مقابل السلام، وتدعو إلى خيارات أخرى متعددة لا تلقى القبول الخارجي سواء الفلسطيني ـ العربي، أو حتى العالمي. وبينهما بيئة إقليمية وعالمية فاقدة قدرة التأثير على إسرائيل.
المحدد الثاني: حدوث تحول راديكالي في أولويات الإدارة الأمريكية بسبب الضغوط القادمة من مناطق الاشتباك العسكري والسياسي العالمي. إذ تراجعت أولوية التسوية للمرتبة الثالثة بعد قضيتي أفغانستان وإيران.
أن فكرة الربط بين تلك القضايا أو محاولة معالجتها بشكل متوازٍ بدا نوعا من المثالية التي أفاقت منها إدارة أوباما مؤخراً بسبب التحديات التي تواجها سواء على صعيد تلك القضايا أو الرأي العام الداخلي.
المحدد الثالث: تزايد إلحاح الداخل على الإدارة الأمريكية، بسبب عدم قدرتها على إشعار المواطن الأمريكي بمثار الإصلاحات المالية والاجتماعية التي تم تمريرها بالكونجرس، بدا إنجازا غير مسبوق لإدارة أمريكية. إذ فقد الاقتصاد الأمريكي ما يعادل 8 ملايين فرصة عمل، طوال العامين الماضيين، وقدرة التعافي داخل الاقتصاد باتت في حاجة إلى وقت أكبر مما كان يعتقد من قبل، وهناك انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، التي باتت تشغل أولوية في تحرك الإدارة بالداخل والخارج.
ما إن حل الوفاق السياسي العام حتى تم التعبير عنه بالعديد من القضايا التي لا تمس مباشرة عملية التسوية السياسية فحسب، وإنما أيضاً مجمل التفاعلات الإقليمية.
وثمة أربعة قضايا حكمت هذا الوفاق العام، وسوف تكون العنوان الرئيسي للتحرك الأمريكي بالمنطقة طوال الفترة القادمة.
أولاً: إلحاح الانتقال إلى المفاوضات المباشرة. إذ تبنى أوباما طرح نتانياهو أهمية الانتقال إلى المفاوضات المباشرة بوصفها الآلية المناسبة لتسوية الصراع، لكونه يريد حشر محمود عباس في مأزق لا يكون الخروج منه إلا بعد إقراره بالشروط الإسرائيلية من التسوية.
والتساؤل هل حققت المفاوضات غير المباشرة أجندتها الإجرائية التي عُول عليها من أجل الانتقال للمباشرة..؟
الإجابة طبعاً لا بكل تأكيد، فقد اقتراح مبعوث التسوية ميتشيل نقاطا رئيسية لبناء الثقة بين الطرفين خلال المفاوضات التي سمتها الإدارة الأمريكية بمفاوضات التقارب، وحددت إطارها الزمني بأربعة أشهر: الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين على دفعات؛ ووقف اقتحام المدن الفلسطينية داخل المنطقة «أ» لإعادة الأمور لوضعها الطبيعي قبل عام 2000 حينما اندلعت الانتفاضة الثانية بما فيها إزالة الحواجز العسكرية وتسهيل حرية الانتقال بين مدن الضفة، والانتقال للبحث عن قضايا الحل النهائي وفي مقدمتها قضية حدود الدولة الفلسطينية القادمة، بهدف منع البناء الاستيطاني بشكل طوعي، ونقل مزيد من المناطق من المنطقة ب و ج للسيادة الفلسطينية لدعم وتقوية موقف محمود عباس.
وبعدما يمكن الانتقال بسهولة للمفاوضات المباشرة التي تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات تواصل جغرافي وقابلة للحياة وتعيش بجانب إسرائيل مع تبادل محدود للأراضي.
ومثل هذه النقاط باعتراف وسيط عملية التفاوض نفسه، لم يتحقق فيها أي تقدم يذكر، بسبب تعنت نتانياهو. إلا أن أوباما رغم ذلك، اقتنع برؤية نتانياهو الداعية إلى أن إنهاء ملف الصراع ممكن فقط من خلال المفاوضات المباشرة، وأنه يجب جمع كل المسائل وحلها في سياق تفاوضي. وهو ما يحمل مخاطر أكثر من مزايا تفاوضية للجانب الفلسطيني.
ولذا فإن الانتقال للمفاوضات المباشرة، ليس له من معنى سوى العودة للمفاوضات العقيمة من جديد بدون أدنى ضمانات سواء أمريكية أو إسرائيلية بإمكانية نجاحها، فالغاية هنا هي إدارة عملية التفاوض والتسوية، وليس التوصل إلى حل سريع أو مقبول. ومثل هذه الإدارة السياسية لعملية التفاوض لا تقود لفشل ظاهري يقوض من مكانة الرئيس الفلسطيني الداخلية وتقوي من حماس ومعارضي عملية التسوية السياسية داخل الساحة الفلسطينية، وبالمنطقة أيضاً، أو حدوث نجاح سياسي يسقط حكومة نتانياهو على أرضية معارضة شركائه بالائتلاف لمبدأ التنازلات الإقليمية لتمرير التسوية.
والخطورة هنا الربط المباشرة بين الانتقال للمفاوضات المباشرة، وتمديد وقف الاستيطان الذي بدأته حكومة نتانياهو لمدة 10 أشهر، وينتهي في 25 سبتمبر القادم، على نحو ما ألمح إليه وزير الدفاع أيهود باراك.
ولذا بدا من الغريب أن جميع أطياف الحكومة الإسرائيلية ترغب في المفاوضات المباشرة، لا لسبب سوى اشغال الجميع بعملية تفاوض تقلل من كم ونوعية الضغوط الخارجية عليها، وتمنع عمليات الاحتكاك الدولي بها.
ثانيا: الاستيطان داخل الضفة الغربية. حتمت مسألة التوافق السياسي ألا يتم التعرض بشكل مباشر لتلك القضية الشائكة التي كانت مصدر احتكاك سياسي من قبل.
وتلك القضية إن لم تكن في صلب مفاوضات واشنطن، إلا أنه يصعب إلا تكون قد نوقشت، وتحديداً أن توقيت 25 سبتمبر، بات على الأبواب، ولا يريد الطرفان الدخول في مواجهات سياسية كما حدث من قبل.
والاتفاق تم على أن يمدد هذا القرار بشكل غير معلن من جانب نتانياهو، مع السماح بعمليات محدودة للبناء بكتلة المستوطنات التي تنوي إسرائيل الاحتفاظ، وفقاً لتبادل الأراضي الذي أقره الطرفان، وأن يكون هذا التمديد متزامناً مع المفاوضات المباشرة. أتى هذا التوافق بعدما نال نتانياهو إقراراً من أوباما بأن رسالة الضمانات التي قدمتها إدارة بوش السابقة إزاء تلك المسألة يمكن أن تلتزم بها إدارته.
وإذا كان هناك ثمة اتفاق بأن هذا التبادل يشمل الكتل الاستيطانية الكبرى التي تشكل ما يعادل 75 % من حجم وكثافة الاستيطان داخل الضفة الغربية دون القدس، غير أن الجدل المثار في مساحتها. ففي حين توافق السلطة الفلسطينية على ما يعادل 2.25% من مساحة الضفة، بينما تريد إسرائيل زيادتها لمعدل 6.5 %، أما الأراضي التي يسطر عليها المستوطنون بالفعل حالياً تبلغ 42 %. والمعادلة التي طرحها نتانياهو، هي الحصول على وعد صريح من أوباما بالتزامه برسالة الضمانات التي قدمها بوش لشارون، مقابل تجميد الاستيطان لما بعد نهاية توقيت 25 سبتمبر القادم.
ثالثاً: الإبقاء على سياسة الغموض النووي الإسرائيلي. أزاح الوفاق السياسي حول هذه القضية الوهم العربي الذي بدا كسحابة صيف، منذ الموقف الأمريكي الذي بدا مغايراً في مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة الاتفاقية الخاصة بمنع الانتشار النووي في مايو الماضي. إذ بدا خلاله أنه ربما تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل للانضمام لمعاهدة الحظر النووي بما يعنيها ذلك من إخضاع منشآتها النووية للرقابة والتفتيش الدولي. وأن هذا التوجه الأمريكي الجديد ينسجم مع رؤية أوباما لعالم خال من الأسلحة والتهديدات النووية.
إذ أعلن أوباما، أن بلاده لن تطلب أبداً من إسرائيل القيام بأي خطوة من شأنها أن تمس بأمنها ومصالحها الأمنية. وقد اعتبر هذا التصريح بمثابة دعم أمريكي لسياسة الغموض النووي التي تتبعها إسرائيل، ورفض للمطالب الإقليمية وتحديداً العربية بإخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للرقابة الدولية.
بل سربت محتويات رسالة تلقاها نتانياهو من أوباما، تؤكد التزام إدارته للتفاهمات الأمريكية ــ الإسرائيلية طوال الأربعين عاماً الماضية والتي تؤكد الدعم الأمريكي لإسرائيل في انتهاج سياسة الغموض النووي والتصدي للمحاولات الدولية والإقليمية لإرغام إسرائيل على الكشف عن قدراتها النووية.
رابعاً: توفير الحصانة الأمريكية من المساءلة الدولية لإسرائيل.
كانت تلك الحصانة إحدى آليات الضغط التي لوحت بها إدارة أوباما عبر مسؤوليها اليهود وتحديداً رام عمائويل، ودافيد أكسلرود لإسرائيل بإمكانية نزع تلك الحصانة، وترك إسرائيل تواجه دولياً تداعيات سياساتها الإجرامية بحق الفلسطينيين والجوار العربي.
وقد سبب هذا التلويح قلقاً عميقاً داخل إسرائيل، والجماعات اليهودية المؤيدة لها من كون إدارة أوباما يمكن أن تتخلى تدريجياً على الموروث التاريخي للعلاقات الأمريكية ــ الإسرائيلية، وإجبار إسرائيل على الانصياع لرؤية أوباما ليس في مجال التسوية السياسية فحسب، وإنما أيضاً إعادة بناء التحالفات الإقليمية على نحو يحسن من صورة الولايات المتحدة عربياً وإسلامياً. أو ما يمكن توصيف التضحية بإسرائيل على مذبح التقارب الأمريكي مع العالم الإسلامي.
وهي التهمة التي تم توظيفها بفاعلية داخل السياسة الإسرائيلية والأمريكية، على نحو أثار مخاوف إدارة أوباما وهي على موعد قريب مع استحقاق انتخابي غاية بالخطورة. إذ إن أوباما يمكن أن يتحمل الإهانات التي يلقاها مساعدوه اليهود، أما أن توظف بالسياسة الداخلية، من خلال مجهود منظم من الجمهوريين، وحلفاء نتانياهو من الجماعات اليهودية، فهذا هو التحدي الذي قرر أوباما عدم مواجهته في مثل هذا التوقيت الصعب لإدارته داخلياً، في مواجهة استطلاعات للرأي تنبئ عن إمكانية خسارة تلك الأغلبية.
إن الفترة القادمة، سوف تكون اختبارا جديا وحقيقيا لتلك المعادلة الجديدة، التي سوف تشهد إطلاق أولى خطواتها الرئيسية وهي مد سلطة رام الله ببعض سبل الحياة والقوة، على الصعيدين الاقتصادي والأمني، من أجل تبرير هذه النقلة المتوقعة للمفاوضات المباشرة، وإظهار جدية إسرائيل في المفاوضات المباشرة. غير أن التساؤل الجوهري، هو إن قبل الطرفان الفلسطيني والعربي بتلك المعادلة الجديدة، وهما سوف يقبلان حتماً بها في ضوء انعدام الإرادة السياسية والبدائل أمامهما تحديداً، هل سوف نشهد عملية تفاوض حقيقية حول التسوية النهائية التي يطالب بها نتانياهو ويطمح إليها أوباما..؟ هذا ممكن ولكن بشرط أن يقدم الطرفان الفلسطيني والعربي آخر ما لديهما من تنازلات شاملة بخصوص حدود الدولة الفلسطينية وماهيتها، والأهم الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وبين التطبيع العربي مع إسرائيل قبل استحقاقات تلك التسوية المتوقعة.