سيث فريدمان (الجارديان) - ترجمة - عبدالرحيم بشارة :-- نظريا لا ينبغي أن يكون تدمير أي بلدية لمبان مقامة بطريقة غير شرعية على أراضيها مصدر قلق أو تساؤل . لكن في الواقع يجب أن ينظر لمثل هذه الإجراءات من خلال السياق السياسي الواسع الذي يترجم على الأرض، خاصة عندما يتعلق الأمر بـالوضع الحساس للعلاقة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. في هذه الحالة يجب أن تفهم اجراءات البلدية في إطار السلوك الاستفزازي والكيدي الذي تقصده هذه السلطات في تعاملها مع الفلسطينيين.
استأنفت آليات البلدية الاسرائيلية مؤخرا هدم منازل ثلاث أسر فلسطينية في القدس الشرقية بعد تسعة أشهر من التجميد، مثيرة بذلك موجة من الجدل على الساحة الداخلية والخارجية . كان التجميد قد جاء آخر مرة نتيجة الغضب الذي لازم هدم المساكن الفلسطينية أثناء زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط في شهر مارس 2009 . وصفت هيلاري كلينتون الخطوة التي أقدمت عليها السلطات الإسرائيلية آنذاك بأنها تصرفات لا تخدم قضية السلام وأنها انتهاك لالتزامات خارطة الطريق.
منذ ذلك الحين دأبت اسرائيل على خرق الاتفاقات التي تضع جدولا لوقف بناء المستوطنات الاسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وفي نفس الوقت واصلت ممارساتها التعسفية ومبادراتها القاسية تجاه الفلسطينيين بالقدس الشرقية بما في ذلك طرد الأسر الفلسطينية من ديارها لإفساح المجال أمام المستوطنين في منطقة الشيخ جار الله وغيرها . هناك خطة لهدم منازل 22 أسرة فلسطينية في منطقة سلوان وتخصيص المساحة لإقامة متنزه عام، بينما يستمر الضغط على النصف الشرقي من المدينة بلا هوادة في سياق ما يعرفه النشطاء الإسرائيليون بخطة التحول الصامت.
وحسب ما ورد على لسان أنجيلا جولدشتاين العضوة في اللجنة الإسرائيلية المناهضة للهدم فإن خطة التحول الصامت تعني أن ما تمارسه إسرائيل الآن يرمي للضغط على الفلسطينيين تدريجيا وجعلهم يستسلمون بمحض إرادتهم . وأضافت أنجيلا ان توزيع رخص بناء المنازل للإسرائيليين يعد أيضا ضربا من ضروب التحول الصامت.
كما تم الإعلان عن تحويل معظم القدس الشرقية لمنطقة مفتوحة خضراء ومنع البناء فيها وهذا بدوره يشكل نقصا شديدا في المساكن بالنسبة للفلسطينيين في المنطقة، حيث إنه عندما تقل نسبة المساكن عن معدل الساكنين ترتفع أسعار العقارات . كما يؤدي ذلك إلى دفع السكان المحليين لمغادرة المنطقة للبحث عن مأوى أرخص على الجانب الآخر من الجدار الأمني . وبمغادرتهم يفقدون حقوقهم في الحصول على أوراق لاستخراج البطاقة الشخصية الخاصة بقاطني القدس الشرقية .
في نفس الوقت يعطي الضوء الأخضر للمستوطنين للبناء يسارا ويمينا ووسطا، وهذا دليل صارخ على ازدواجية المعايير كما قال جودفري جولدشتاين، مضيفا انه في الحالات النادرة التي تدين فيها المحاكم الإسرائيلية بناء المستوطنات، معتبرة إياها غير قانونية كما كان الحال في مستوطنة يهوناتان في سلوان، في مثل هذه الحالات يتجاهل المستوطنون أوامر الإخلاء التي لا تحرص السلطات على تنفيذها مبرهنة خيانة البلدية للأمانة الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بالبناء على طرفي الكيان السياسي.
بالطبع عمليات تدمير المساكن القائمة ضربة في الصميم بالنسبة للعلاقات الاسرائيلية الفلسطينية . إن هدم منازل الفلسطينيين في منطقة عيساوية وبيت حنينة ما هو إلا برهان دامغ على أن القادة الإسرائيليين يأبهون لآلية التنازلات والتسوية ويفضلون احراز مكاسب سياسية سريعة على الساحة الوطنية بالانصياع لنزوات المتطرفين .
الساسة الاسرائيليون حذو هذا الحذو لعدة شهور وزاد على تصميمهم الصمت الدولي على خرقهم القانون الدولي وغيره من المواثيق والأخلاق الأساسية.
أما عمدة القدس نير بركات فقد سخر من انتقادات هيلاري كلينتون معتبرا إياها نوعا من الدعاية السياسية وبهذا يكون قد عبر عن السلوك المتغطرس للغالبية ممن هم على سدة الحكم . وللأسف لا يصعب تخمين مصدر غرور هؤلاء، حيث إنه منذ عقود لم يجرؤ أي من القادة السياسيين الأمريكيين والأوروبيين على تثنية الأقوال الغاضبة بالأفعال، على سبيل المثال تطبيق أي عقوبات على اسرائيل.
بالرغم من الجلبة التي أحدثها تولي أوباما مقاليد الحكم في أمريكا ما زالت العلاقات السياسية تسير على نفس النهج بين أمريكا الدولة العميلة لها في الشرق الأوسط.
ففشلت بذلك (الإدارة الأمريكية) في التعامل بمنطق وجدية تجاه مجمل القضايا مثل الممارسات الاسرائيلية في القدس وقضية الاستيطان وحقوق فلسطينيي الضفة الغربية في المياه وقضية اللاجئين الفلسطينيين .
وعليه يجب أن ينظر إلى استئناف اسرائيل لهدم مساكن الفلسطينيين من هذا المنظور، على أنها تعجيل تنفيذ مقاصد معينة على كافة المستويات السياسية.
أصبح تهويد القدس الشرقية سياسة واضحة ينتهجها العديد من المستوطنين وأولئك الذين يقدمون لهم الدعم المالي والسياسي، وفي هذا السياق يسرع هدم كل مسكن فلسطيني وإخلاء كل أسرة فلسطينية عملية التطهير العرقي التي بدأت بالفعل.
وإذا لم يتخذ أي إجراء لوقف التآكل سيكون الناتج انهيارا تاما للمحادثات بين الجانبين ومن المحتمل اطلاق موجة أخرى من الاقتتال.
السبيل الوحيد لمنع مثل هذه النتيجة الحتمية الكارثية هو أن تقوم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بلي ذراع اسرائيل لأن اسرائيل هي التي تملك كل بطاقات التفاوض. لن ينجح أي إجراء أقل من إجبار اسرائيل (على التخلي عن ممارساتها) لأن الوقت نفذ لجلب الجانبين لطاولة المباحثات. الرابح الوحيد من الوضع الراهن هم المتطرفون. ليس بمقدور الاسرائيليين ولا الفلسطينيين تحمل تبعات انطلاق انتفاضة أخرى، وعليه أصبح التعامل بحزم مع اسرائيل ضرورة.
لا يفوتنا أن ننبه إلى أن هدم المنازل ما هو إلا قمة الجبل الجليدي وأن هذه القضية تعتبر فتيل اشتعال خطير لما تحمل من مدلولات سياسية . بالطبع أثبت القادة الاسرائيليون أنهم لا يهتمون للضرر المادي والمعنوي الذي ألحقته سياساتهم بالجانب الاسرائيلي، لكن حان الوقت لجعلهم يهتمون، وذلك للمصلحة العامة لجميع الأطراف المعنية.