سامح راشد :-- تعاني القارة الأوروبية العجوز من مشكلة مزمنة في تعاملها مع قضايا منطقة الشرق الأوسط، وهي مشكلة الارتباط بالولايات المتحدة وجدلية التبعية والاستقلال عن الدور الأمريكي في المنطقة. وينطبق هذا على كافة قضايا المنطقة والموقف الأوروبي منها، خصوصاً القضية المحورية وهي الصراع العربي ــ الإسرائيلي. ولما كانت القضية قد وصلت إلى مراحل متقدمة ومتأزمة في آن واحد، فإن أدوار ومواقف مختلف الأطراف المعنية بها أضحت مؤثرة وفاعلة بما يجعل كلا منها مطلوباً ومهماً لدى أصحاب القضية. فالدور الأوروبي ومهما بلغت التحفظات العربية عليه، لا يزال مطلوباً الحفاظ عليه واستقطابه، إن لم يكن لدعم الموقف العربي والفلسطيني، فعلى الأقل لتحييده وتأمينه ضد الانحياز إلى جانب إسرائيل، والذي يمنعها من ممارسة الضغط عليها لتمرير عملية التسوية السياسية.
وهنا لابد من إيضاح ملمح مهم في التعامل الأوروبي مع الصراع بين العرب وإسرائيل، ذلك أن البادي على الاتحاد الأوروبي من حياد ووقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، ليس سوى مظهر خادع لموقف غير محايد بالمرة. بل عندما تقترب أوروبا قليلاً من الحقوق العربية فهي بذلك لا تتخلى عن حيادها، وإنما تبتعد قليلاً عن الانحياز إلى إسرائيل. فالأمر هنا نسبي ويتوقف على موقع ومرجعية التقييم والنظر إلى المواقف والتحركات، فالبدء من مسلمّة أن إسرائيل دولة احتلال قامت باغتصاب أراض عربية، يفضي بالضرورة إلى أن كل ما تقوم به إسرائيل من ممارسات غير مشروع بل وغير إنساني بالمرة، وأن المفاوضات ومنهج التسوية السلمية ينبغي أن يستند إلى فكرة إعادة الأرض كاملة السيادة والموارد وما دون ذلك يعد انتقاصا غير مقبول.
بيد أن نقطة الانطلاق الأوروبية في التعامل مع هذا الملف الشائك، تبدأ من التسليم ليس فقط بوجود إسرائيل بل أيضاً بأن وجودها شرعي وطبيعي، وأن معالجة وتسوية الملف يجب أن تستند إلى تلك «الحقيقة» وبالتالي على الفلسطينيين والعرب عدم المساس «بحق» إسرائيل في الوجود.. وهذا هو ما انبنت عليه كل تطورات وتحركات عملية التسوية السلمية منذ بداياتها في مدريد 1991.
السؤال الذي يستحق البحث عن إجابة له، هل يمكن لأوروبا الضغط على إسرائيل لتحقيق السلام..؟ وهل تملك أوروبا أدوات ممارسة هذا الضغط؟
يستلزم ذلك بدوره استكشاف جانب مهم في الموقف الأوروبي من السلام في المنطقة، هو ذلك المتعلق بمدى وحدود الرغبة الأوروبية في الضغط على إسرائيل أو بالأحرى في تحقيق السلام العادل. فتوافر، أو غياب تلك الرغبة هو المحدد الأساس للحركة في أي اتجاه أو الامتناع عنها.
باستقراء السلوك والمواقف الأوروبية تجاه ملفات الصراع العربي ــ الإسرائيلي، يمكن بسهولة ملاحظة أن الرغبة الأوروبية في التوصل إلى تسوية حقيقية للصراع تعرضت لتحولات وتطورات عبر عدة مراحل، وصلت بنا إلى الوضع الراهن، ومفاده أن أوروبا غير حريصة على الوصول إلى تسوية نهائية وكاملة للصراع، أسوة في ذلك بالموقف الأمريكي. فكلما حاولت إدارة تحقيق التسوية تجد أن مقومات تسوية عادلة قابلة للنجاح والبقاء تتعارض كلية ومباشرة مع مواقف وسياسات إسرائيل، وربما مع عناصر بقائها ذاته. فسرعان ما تتراجع واشنطن عن ذلك التوجه وتكتفي بالبحث عن تسويات مرحلية تكفل إرساء الهدوء بشكل عام والأمن لإسرائيل حصريا. وأوروبا تقرأ تلك المشاهد وتستوعب دلالاتها، لذا تبتعد عن التصدي لقيادة عملية التسوية وتساهم بدور المشارك ــ المساعد سواء في الجوانب التفاوضية أو في النواحي اللوجستية اللازمة لأي تحرك سواء سياسي أو اقتصادي أو حتى عسكري.
وتنبغي الإشارة إلى أن هذا السلوك الأوروبي أصبح توجهًا عاماً يغلب على مواقف أوروبا من قضايا المنطقة، تفضل فيه القيام بدور الداعم والمساند للدور الأمريكي وليس الاضطلاع بمهام منفردة أو حتى قيادة التحرك الجماعي، وينطبق ذلك على مختلف ملفات المنطقة مثل العراق ودارفور وأفغانستان ولبنان، فضلاً بالطبع عن فلسطين. إذن، الدافع المحرك للقيام بدور مستقل ونشط، غير متوافر في الحالة الأوروبية، بالتالي فليس من المتصور أن تبحث أوروبا عن وسائل أو أدوات لتأثير منفرد هي غير راغبة فيه أصلاً.
لكن حتى في نطاق الدور المشارك، تظل قدرة أوروبا على التأثير والضغط على إسرائيل محكومة بعوامل واعتبارات متداخلة ومتعددة، تنعكس بالضرورة على طبيعة وأشكال التدخل الأوروبي ونتائجه الفعلية.
أول تلك العوامل هو العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فتشابك المصالح والارتباطات بينهما أوسع وأعقد من الوضع في الشرق الأوسط، وهناك اختلافات كثيرة بينهما في الرؤى والتقديرات المتصلة بالصراع العربي ــ الإسرائيلي، إلا أن المصالح المشتركة و التوافقات في ملفات أخرى تفرض على أوروبا عدم إغضاب واشنطن فيما يتعلق بإسرائيل.
فيما تظل إسرائيل ذاتها محددا أساسيا للمواقف الأوروبية، وهو ما يبرز العامل الثاني، فهناك خصوصية للحالة الإسرائيلية لدى الذهنية الأوروبية، ليس فقط لدى ألمانيا بحكم الدعاية اليهودية حول الهولوكست، لكن أيضاً لدى معظم الدول الأوروبية بفعل تأثرها هي الأخرى بتلك الدعاية، وترسيخ وسائل الإعلام الغربية لصورة إسرائيل كدولة مظلومة ومضطهدة من جيرانها المعادين لها، والتعمية على جوهر القضية وهو أنها دولة تحتل أراضي وموارد وسيادة شعب آخر.
العامل الثالث المؤثر في طريقة إدارة أوروبا للصراع العربي ــ الإسرائيلي، تكمن في السلوك العربي ذاته وطريقة إدارته للعلاقة مع أوروبا فيما يتصل بالصراع. فالإدارة العربية تفتقد بصورة كبيرة إلى الوضوح والثبات من جانب، فضلاً عن ابتعادها عن الوسائل والأدوات العملية التي يمكنها التأثير فعلياً في مواقف أوروبا وتجييرها ليس للمصالح العربية في المطلق، لكن على الأقل لجذبها نحو نقطة أكثر حياداً. فضلاً عن العامل الأهم في إضعاف الاهتمام الأوروبي بالقضايا العربية بشكل عام، وهو الانقسام العربي- العربي الذي تجذر وامتد إلى المستويات الجزئية، فأصبح هناك انقسام فلسطيني - فلسطيني، وآخر لبناني ــ لبناني، وثالث عراقي ــ عراقي، وهكذا. وبداهة، لن يكون الأوروبيون أكثر عربة ولا اهتماماً بالقضايا العربية من العرب أنفسهم.
الواضح أن تلك العوامل تصب كلها في اتجاه غياب التأثير الأوروبي على إسرائيل، سواء لغياب الرغبة والإرادة أو لافتقاد الدافع الضاغط في ذلك الاتجاه. إلا أن هذا لا يعني استبعاد الرقم الأوروبي من معادلة التسوية نهائياً، فالواقع أن أوروبا حاضرة وفاعلة ومشاركة، ولا يملك العرب رفاهة الاستغناء عن الدور الأوروبي لأن الاستغناء عنه لن يلغيه، وإنما سيضيفه رصيداً في قوة إسرائيل.
بالتالي لا بد من استمرار العمل على جذب القطب الأوروبي إلى الجانب العربي، أو على الأقل تقليل درجة انحيازه لإسرائيل.
وغني عن البيان أن لدى أوروبا أدوات تأثير فعلية على إسرائيل، والخطاب الذي يتبناه بعض الأوروبيين حول افتقادهم وسائل وأوراق الضغط على تل أبيب، ليس سوى خطاب تسكيني للعرب ولا يعكس موازين القوى الحقيقية، فالعلاقات الأوروبية ــ الإسرائيلية وثيقة ومتشعبة بحيث تستطيع أوروبا ــ عندما تريد ــ مضايقة إسرائيل وحشرها في الزاوية، بل وفرض مواقف محددة عليها. بل قد لا يكون من المبالغة القول بأن أوروبا أكثر قدرة على التأثير إن إسرائيل من واشنطن، ذلك أنها أكثر تحرراً من ضغوط وتعقيدات جماعات الضغط اليهودية الموجودة في واشنطن، كما أن القيود التي يفرضها الكونجرس على أي تحرك أمريكي ضد تل أبيب تجعل أي إدارة أمريكية، مهما كانت عادلة ومحايدة، مغلولة الأيدي أمام تل أبيب.
وهناك وسائل وأدوات عديدة يمكن لأوروبا استخدامها في هذا السياق، من أبرزها بالطبع الورقة الاقتصادية. حيث يمكن لأوروبا تحجيم التعاون الاقتصادي وخصوصاً التجاري مع إسرائيل مما سيفرضه ذلك من ضغوطا هائلة على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى الحياة اليومية هناك. وهناك أيضاً الأداة السياسية، سواء في نطاق المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، أو حتى داخل الاتحاد الأوروبي ذاته، فكما توافقت أوروبا على فرض عقوبات مباشرة وقاسية على إيران بسبب أنشطتها النووية المثيرة للجدل، فإن التوافق حول اتخاذ موقف سياسي من إسرائيل سيترك أثراً قوياً على وضعية إسرائيل الدولية ويجعلها أكثر عزلة في المجتمع الدولي.
وفضلاً عن الأوراق التي تملكها أوروبا للتأثير على السياسات الإسرائيلية مباشرة، هناك مداخل أخرى للتأثير غير المباشر، أقلها أن تقدم أوروبا مساعدات اقتصادية مباشرة للفلسطينيين سواء في الضفة ورام الله، أو المحاصرين في غزة. وذلك بدلاً من الدعم الإعلامي المحدود لقوافل كسر الحصار التي تواجهها إسرائيل بالآلة العسكرية، يمكن للاتحاد الأوروبي تسيير قوافل خاصة به سواء بشكل رسمي أو بواسطة المنظمات غير الحكومية والإنسانية الأوروبية، لتضع إسرائيل في مأزق مواجهة المجتمع الإنساني ــ الأوروبي.
أخيراً، يمكن لأوروبا استخدام ورقة الاتصال المباشر مع القوى الفلسطينية سواء السلطة الوطنية، أو حركة حماس، وإذا كانت تلك الاتصالات موجودة بالفعل ومستمرة بشكل غير معلن، فإن رفع مستواها والكشف عنها سيضع مزيداً من الضغط السياسي على تل أبيب.
من شأن تلك الإجراءات ــ حال اتخاذها ــ أن تساعد في وضع حد لمناورات إسرائيل المستمرة للتهرب من استحقاقات السلام، والأهم من ذلك أنها ستنهي الوضع الراهن غير الإنساني، وبالتالي ستجعل عامل الوقت الذي تراهن عليه تل أبيب دائماً للتسويف وإطالة علمية التفاوض غير ذي جدوى. الأمر الذي سيبعث برسالة واضحة إلى إسرائيل بأن المفاوضات سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ينبغي أن تفضي إلى نتائج محددة وملموسة، وأن المهمة الأساسية في ذلك تقع على عاتق تل أبيب وليس على أي طرف آخر.