اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

المقاومة غير العنيفة الأكثر ضغطاً على إسرائيل مقابل تكلفة عربية معقولة

الثلثاء, 27 يوليو 2010

فاطمة دياب :-- بعد ما يقرب من عشرين عاما من بدء عملية التسوية الفلسطينية ــ الإسرائيلية، ما زالت القضية الفلسطينية تراوح مكانها فالاحتلال قائم والدولة الفلسطينية الموعودة لم تقم، وكثير من الحقائق الموجودة على الأرض تشير إلى أن أوراق اللعبة جميعها في يد الطرف الإسرائيلي متفوقا على الأطراف العربية جميعها وأن كثيرا من أدوات الضغط التفاوضية لم تقدم سوى قدر ضئيل في إطار طموحات السلام المنشودة بالمنطقة ومن خلال ما يتعلق بالآليات السياسية والدبلوماسية. كما تشير أوراق اللعبة إلى أن المقاومة فقط كانت طريقاً ممهداً لتحقيق بعض الأهداف.
من جهة أخرى فقد أظهرت الخبرة الطويلة بين طرفي الصراع في الشرق الأوسط عدم قدرة أي طرف على الضغط الكمال على الطرف الآخر وفرض شروطه الكاملة وإرادته عليه، رغم الفجوة الكبيرة بين ما يملكه كل طرف من عناصر القوة وكذلك الاختلال في موازين القوة الشاملة بينهما، مما يدفع الطرف العربي إلى أن يبحث عن صيغة جديدة لعملية السلام بالمنطقة، يحاول من خلالها إيجاد صيغة تضمن جميع الحقوق العربية الأساسية غير منقوصة، وخاصة فيما يتعلق بالمسار الفلسطيني - الإسرائيلي لأنه الطريق الوحيد لإقرار سلام عادل بالمنطقة.
على الجانب العربي أن يدرك أنه رغم الإخفاقات الكثيرة والمتعاقبة في عملية التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية، وعدم وصولها لمراحلها النهائية، إلا أنها قد أفرزت أوضاعا جديدة على الأرض لم تكن قائمة، لا بد الاستفادة منها لتحقيق المطالب العربية. ولإعادة تشكيل رؤية عربية جديدة تجاه عملية السلام في المنطقة وكيفية إلزام إسرائيل بها لا بد من قراءة جميع العناصر والعوامل التي أدت للوضع الحالي، والتي يمكن من خلالها إقرار حالة يكون الطرف العربي المحرك الأساسي لها.
قد أشارت دراسة مهمة ومفصلة أعدها مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام إلى أهم ما يميز عملية السلام الفلسطينية ــ الإسرائيلية أنها كانت عملية تفاوضية مفتوحة النهاية، حيث اتفق الطرفان في اوسلو على عدد من الإجراءات الأولية التي استهدفت بناء الثقة وأن التوصل لاتفاق بشأن قضايا الحل النهائي الشائكة هو أمر شديد الصعوبة في ظل فجوة الثقة التي تفصل بين الطرفين، وأن اجتياز الطرفين لمرحلة تستهدف بناء الثقة هو أمر ضروري يسهل عليها الوصول لاتفاق نهائي، ولهذا اتفق الطرفان على البدء بمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات يصلا في نهايتها لاتفاق نهائي.
ولذا فإن المرحلة الانتقالية هي المكون الأكثر تحديداً وتبلوراً لعملية سلام أوسلو بينما تم تأجيل تطوير أي تصور له قدر مناسب من التحديد بشأن ما بعد المرحلة الانتقالية، وكان الطرف الفلسطيني يراهن على قدرته في نهايتها على الفوز بدولة مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، ولم يكن لدى الجانب الإسرائيلي تصور محدد بشأن الحل النهائي، حيث تراوحت التصورات التي عبّرت عنها القوى السياسية الرئيسية في إسرائيل بين الحكم الذاتي المحدود على السكان دون الأرض، وبالحكم الذاتي العميق على الأرض والسكان وصولا لدولة فلسطينية مقلصة من حيث الحقوق الإقليمية.
ونجد أن عامل بناء الثقة تسبب في خلل كبير لعملية التسوية، لأنه عامل غير واقعي لا يعتمد على مضامين ملموسة، بل خاضع لتقلب المزاج الإسرائيلي الذي يعتمد على المراوغة والمناورة في التعامل وهو ما يجب تداركه عربياً لاحقا.
يضاف لذلك تلك الدرجة العالية من عدم التوازن في الالتزامات رتبتها هذه العملية، وهو الأمر الذي حدث على أكثر من مستوى، فبينما تم تحديد التزامات الأطراف خاصة الطرف الفلسطيني.. لم يكن على الطرف الإسرائيلي سوى أن ينهل من هذه الالتزامات التي وصلت لحد التنازلات، فنجد إسرائيل تقدم عدم سيطرتها المباشرة على قسم من الأراضي الفلسطينية مع السماح بقيام مؤسسات فلسطينية قابلة للتطور لمؤسسات دولة، فإن الطرف الفلسطيني تنازل عن مطالبه في فلسطين التاريخية مانحاً لها شرعية الدولة الإسرائيلية، بالإضافة لتخليه عن مبدأ الكفاح المسلح كإحدى أهم أدوات الضغط التي يمكن توظيفها في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية، بينما تسمح القدرات الإسرائيلية المتفوقة بتجاهل التزاماتها دون تخوف من رد الفعل الفلسطيني.
في الحديث عن إمكانية توفر أدوات للضغط على إسرائيل لإلزامها بعملية تسوية شاملة في المنطقة لا يجب ألا نغفل عاملا مهما يتمثل في التوافق العربي، ورغم أن كل الدول العربية وافقت على مبدأ التسوية السلمية والحل الوسط التاريخي بين العرب وإسرائيل، إلا أنها لم تكن على مجموعها متحمسة بالقدر نفسه.
لعل أهم ما اعترض بناء إجماع عربي إزاء التسوية ذلك التنافس بين المسارات المختلفة للتسوية، خاصة بين المسارين الفلسطيني والسوري فبعد إخفاق الجهود المبذولة للتنسيق بين المسارات، دخل المساران السوري والفلسطيني في تسابق محموم.. حيث اعتبر كل طرف أن أي تقدم يتحقق على المسار الآخر ينطوي على تقليص لفرص نجاح مساره الخاص، ولا بد من الاعتراف أن هذا الاعتقاد لم يكن بعيدا عن الدقة. لم تقتصر مظاهر الإجماع العربي على التنافس بين المسارات، وإنما امتدت مظاهره لسياسات دول عربية ليس لبعضها صلة مباشرة بعملية السلام باستثناء المصلحة العربية المشتركة في ارتباط ما بالقضية الفلسطينية، فحتى الدول العربية البعيدة من منطقة الصراع حددت مواقفها من عملية التسوية ليس بناء على درجة نجاحها، وإنما بناء على ما يخدم مصالحها الخاصة. من الطبيعي والمفهوم أن تتصرف الدول العربية لحماية وتعزيز مصالحها الوطنية، كما لا يعني الإجماع العربي أن تصبح الدول جزءا من إجماع يتعارض مع مصالحها الوطنية، غير أن الاعتراف بأولوية المصالح والاعتبارات الوطنية لا يساوي استحالة التنسيق والعمل لتحقيق المصالح المشتركة بين الدول، ولكن المشكلة أن آليات التنسيق العربية المعتادة لم تسمح سوى في حالات محدودة تتجاوز التناقض المحتمل بين مصلحة الدولة العربية من ناحية والمصلحة العربية المشتركة من ناحية أخرى.
تلك أخطاء أظهرتها خبرة السنوات العشرين الماضية، ومن الأهمية الآن تجاوزها من أجل امتلاك أداة فاعلة للضغط على إسرائيل، إلا أن الأمر اللافت للنظر، ما وقعت فيه الإدارة الفلسطينية لعملية السلام من أخطاء جسيمة كانت المدخل الأساسي للانفراد الإسرائيلي بتشديد عدم التزامها بأي تعهدات سابقة. أهم الأخطاء إخفاقها في تكييف سياستها مع مقتضيات العملية السياسية التي اختارت الدخول فيها وتحييد عامل المقاومة، من المعادلة السياسية لكونه الأكثر دعما لأي تحرك سياسي. فقد بينت خبرة الانتفاضة الأولى أن المقاومة غير العنيفة هي أكثر الأساليب نجاحا في تحسين الموقف الفلسطيني، وفي تعزيز الضغط على إسرائيل عند مستوى معقول من التكلفة يستطيع المجتمع والمؤسسات الفلسطينية تحملها.
ونأتي لمقولة تبني السلام كخيار استراتيجي مع رفض البدائل الأخرى. فحين قرر العرب ذلك في قمتهم التي عقدت بالقاهرة منتصف التسعينات كانوا يفقدون آخر أدواتهم في الضغط ويلقون بأوراق عملية التسوية والسلام بالمنطقة في يد إسرائيل لتحركها كيفما تشاء، لأن هذا كان إقراراً نهائياً منهم بأن إسرائيل المحتلة لأراضيهم والتي تمارس أفظع الجرائم ضد الشعب العربي في فلسطين.. قد باتت جزءا طبيعيا من المنطقة وأن العنف أو العمل المسلح، حسبما أطلق على المقاومة في لبنان أو فلسطين يمكن محاصرته لخدمة خيار التسوية السياسية.. في ظل ممارسات إسرائيلية شديدة العنف وفي ظل دعوات سلام الشجعان مقابل سلام الإذعان.
أما المبادرة العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002 واعتبرها العرب إحدى أدوات الضغط على إسرائيل لتحقيق السلام واسترداد جميع الحقوق العربية، قد استخدمت لمصالح ضيقة فهي تتحدث عن تطبيع شامل مع إسرائيل مقابل انسحاب كامل من الأراضي العربية المحتلة، ولكنها افتقدت للتنسيق الشامل بين أطرافها.
وفي ظل انعدام التنسيق العربي ــ الفلسطيني، فإن الدور الإسرائيلي - الأمريكي سيبقى محركا سياسيا قويا بالمنطقة، ورغم عدم نجاحهما في فرض كل شروط التسوية على الواقع إلا أنهما ما زالا يمتلكان قواعد التأثير وأخذ زمام المبادرة تجاه كل ما تطمح إليه إسرائيل.
من هنا يمكن ترجيح المنهج الذي يرى أن الصراع العربي ــ الإسرائيلي هو صراع ممتد اجتماعياً، وفيه الكثير من الاختلالات في ميزان القوى بين أطرافه، وأن سمة معاهدة دفاع مشتركة ليست مفعلة.. كما أن الإعلان المستمر حول التمسك بقراري مجلس الأمن 242 – 338 في المحافل الدولية أصبح غير مجدٍ بالتفاف القيادة الإسرائيلية عليهما، كما أننا لم نعد نسمع عن سلاح مثل المقاطعة الذي استطاع في وقت من الأوقات إنهاك الاقتصاد الإسرائيلي.
إن الحديث عن إمكانية الضغط العربي على إسرائيل لا يمكن أن يحدث بعيدا عن الحالة الإقليمية للعالم العربي، والتي هي جزء من الشرق الأوسط الذي يدور فيه الصراع. وأكثر الشواهد لهذه الحالة هو تنامي الدور التركي في الدخول لمحركات المشهد السياسي من خلال الصراع العربي ــ الإسرائيلي، والتي يمكن استغلالها لدعم المواقف العربية، وهو ما تجلى أثناء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
والورقة التركية هي أمر واقع تفرضه الخلفية الإسلامية والحضارية والتاريخية التي تربطها بالعالم العربي، كما أن القضية الفلسطينية موجودة في الفكر التركي منذ ظهور المشروع الإسرائيلي في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، ورفضه إعطاء أرض في فلسطين لإقامة دولة لليهود عليها، وصولا للحكومات العلمانية المتعاقبة.. حتى أن رئيس الحكومة التركية السابق بولنت اجاويد العلماني المتشدد المعروف بعدائه للتيارات الإسلامية، قد احتضن منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات، وكان أول من وصف ممارسات إسرائيل بالإبادة عام 2002.
ويمكن لتركيا بما تملكه من علاقات جيدة مع جميع الأطراف.. أن تقوم بدور كبيرا في دعم الطرف العربي للضغط على إسرائيل، كما يمكن الاستفادة منها في فهم أصول الحركة الدولية من خلال دعم القضايا الفلسطينية المتوافق عليها مثل الجدار العازل والاستيطان وتهويد القدس وحصار القطاع، إضافة لسياسة تركيا الناجحة في حل النزاعات والقيام بدور الوسيط في إنجاز التقارب المصري ــ السوري ــ السعودي كخطوة نحو تشكيل مرجعية عربية مشتركة ترعى المصالح الفلسطينية، مع تشجيع الدور التركي على فك الحصار وإعادة إعمار غزة، وتنفيذ المشروعات التركية بالداخل الفلسطيني، كما يمكن الاستفادة من توليها رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي من أجل تفعيل المنظمة ولجنة القدس لحماية القدس كمدينة إسلامية بتراثها وشعبها وكعاصمة للدولة الفلسطينية.