اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

حياتنا .. اضطرابات حاسة الشم .. الأسباب والأعراض

Thu, 25 مارس 2010

اعداد - د. خنساء محمد اسموني..
الأنف عند الإنسان من الأعضاء البارزة والمهمة، إنه يميز الوجه ويُعطيه شكله الخارجي، وهو المدخل الرئيسي للجهاز التنفسي. إنه مبطن بغشاء مخاطي شعري يحتوي على العديد من الأوعية الدموية الدقيقة الملاصقة لسطحه، يؤمن هذا الغشاء تنقية وترطيب وتدفئة الهواء الداخل عبر مجرى الأنف باتجاه الحلق والرئتين.
يمتد مجرى الأنف من الحنك أي السقف الذي يفصل بين الأنف والفم ثم يستدير إلى الأسفل ليتصل بالمجرى الواقع بين الفم والحلق. ولكن المجرى الأنفي ليس قناة بسيطة، بحيث يتفرع منه أزواج من التجاويف المملوءة بالهواء "الجيوب" باتجاه الجمجمة من نقاط مختلفة، كما تمتد بطانة الأنف إلى هذه التجاويف، ولذلك تنتشر الالتهابات الأنفية في بعض الأحيان إلى الجيوب وإلى بقية أجزاء الجهاز التنفسي.
هذا وفضلاً عن أن الأنف هو ممر تصريف إفرازات الغدد الدمعية والجيوب الأنفية إلى البلعوم أو الخارج.
والأنف أيضاً مسؤول عن حاسة الشم، فإلى أعلى المجرى الأنفي تدخل الأطراف الشعرية الحساسة للأعصاب الشمية التي تكشف الروائح في الأنف وتُرسل المعلومات عنها إلى البُصيلة الشمية في قاعدة الدماغ.
إن حاسة الشم هذه تُمكن من التعرف على آلاف الأصناف من الروائح المختلفة وتمييز مواطن الخطر ذات الرائحة المميزة(تسرب غاز، حريق مثلاً).
وهناك قلة من الناس حرموا من هذه الحاسة بشكل كامل anosmia أو جزئي hyposmia بسبب اضطراب يصيب جهاز الشم، وقد يكون فقدانهم لهذه الحاسة مؤقتاً أو بشكل دائم، ويُمْكِنُ لهذه الحالة أن تقلل من قدرة الشخصِ المصاب على التَمييز لبَعْض أنواعِ الروائح.
وهناك حالة اضطراب ثالثة في الشم تحيل الروائح اللطيفة إلى روائح كريهِة أَو متعفنة Troposmia وهي حالة ترتَبطُ عادة بمحفّزِ ذي رائحة مع انخفاض في قدرة الشم olfaction وتكون مصاحبة لبَعْض أمراضِ السرطان أَو قَدْ تحْدث بعد عدوى تنفسيةِ عُلْيا أو لإصابة في الرأسِ أَو أحياناً بعد المعالجةِ بمضادات حيوية.
وأحياناً يُمْكِنُ لاضطراب الرائحة وتشوّهها أَنْ تُخفي حقيقة الروائح وتحيل كُلّ شيء يشتمُّ متعفّناً وغير مقبول.
وتفيد تقارير طبية بِأَنَّ المرضى الذين يَفْقدونَ إحساسَهم للرائحةِ بعد إصابة عصبيةِ يُمْكِنُ أَنْ يستعيدوا قدرةَ الشم مرة ثانية. وللعلم قد يتعرض الفرد لفقدان مؤقت في القدرة على كشف الروائح كلما أصيب بالزكام، مع ذلك فالإصابة بالفقدان الدائم لحاسة الشم أنذر بكثير من الإصابة بفقدان الرؤية أو السمع.

وإذن ماذا عن اضطرابات الشم؟

إنها نوعان إما أن تكون كمية أو نوعية:

الاضطرابات الكمية وأهم أشكالها السريرية:

فقد الشم : يرادف الضياع الكامل لحاسة الشم ويترافق دوماً عندما يكون ثنائي الجانب مع غياب في حاسة الذوق الذي يزعج المريض عادة أكثر من فقد الشم، قد يكون فقد الشم أحياناً محدداً لبعض الروائح دون بعضها الآخر.
نقص الشم : عبارة عن نقص محدود في حاسة الشم، قد يكون بدْئياً وقد يكون تالياً لفقد الشم وعندئذ يشكل مرحلة من مراحل الشفاء أو التحسن. وقد يكون شاملاً لكل الروائح وقد يكون جزئياً.
-- فرط الشم : مبالغة في الإحساس الشمي وقد يكون انتقائياً لبعض الروائح أحياناً. ويشاهد هذا الاضطراب بشكل فيزيولوجي خلال الحمل أو في سياق بعض الآفات العصبية المركزية أو الغدية كما في فرط نشاط الدرق.

الاضطرابات النوعية وأهم أشكالها السريرية:

ضلال الشم: إحساس شمي غير طبيعي لرائحة موجودة فعلاً, إذاً هناك تغير لاستقبال بعض الروائح التي تشم بشكل غير طبيعي يغلب أن تكون الرائحة المستقبلية كريهة وهي عادة تشاهد في آفات المنطقة الحسية الشمية في دور المعاوضة بعد فقد الشم في طريق الشفاء ويكون الشعور بها شخصياً مما يفرقها عن الرائحة الكريهة الموضوعية الناجمة عن وجود بؤرة إنتانية أنفية جينية أو سنية أو في اللوزتين والتي يشعر بها المريض ومن حوله.
الأهلاسات الشمية: أي الإحساس بروائح في غياب أي تنبيه شمي، وتظهر بشكل هجمات اشتدادية، وهي تدل على إصابة عصبية مركزية يندر أن تكون معزولة، ويغلب أن تكون المقدمة لنوبة أكثر تعقيداً تضم اضطرابات في الوعي والذاكرة والشعور. النوبة الشمية المعزولة تظهر في صورة شعور مفاجئ برائحة غالباً كريهة وقد تكون غير محتملة، وفي غياب أي تنبيه شمي. المريض عادة لا يستطيع أن يقارن هذه الرائحة مع أي رائحة يعرفها.
هذا ويبقى أفضل تصنيف لاضطرابات الشم هو الذي يقارن اضطرابات الشم مع اضطرابات السمع بحيث يمكن وحسبما توضع الآفة أن نرجع الأسباب إلى :
اضطرابات شم من منشأ نقلي : نتيجة اضطراب في نقل الروائح إلى المنطقة الحسية الشمية. وتشمل كل الإصابات الشمية من منشأ أنفي مع سلامة المنطقة الشمية، إذاً هي اضطراب في نقل الجزئيات الشمية إلى المنطقة العصبية. تظهر عادة على شكل نقص شم أو ضلال شم، ويغلب أن تظهر عندئذ على شكل رائحة كريهة موضوعية. الأسباب؟
أسباب ميكانيكية: وذلك بوجود عائق في الحفرة الأنفية يمنع وصول الروائح إلى المنطقة الشمية الحسية كما في عقابيل كسور هرم الأنف وعقابيل الأعمال الجراحية على الأنف والانحرافات العالية للحاجز الأنفي والأجسام الغريبة المهملة والأورام على مستوى الحفرة الأنفية والجيوب...
أسباب التهابية: التهاب الأنف الحاد، التهاب الجيوب الخلفية أو الفكية، التهاب الأنف المزمن خاصة التهاب الأنف الضموري.
اضطرابات التهوية : مثلاً انسداد الأنف الخلفي الخلقي، بعد استئصال الحنجرة التام وتضميم الرغامى الذي يؤدي إلى انقطاع مرور الهواء عبر الحفرتين الأنفيتين.

اضطرابات الشم من منشأ استقبالي:
نقل الروائح إلى المنطقة الشمية طبيعي، إنما الاضطراب موجود على مستوى البنيات العصبية سواء منها المحيطية أو المركزية.
هذا وتتموضع الإصابة الحسية العصبية في أحد المستويات التالية:
المستقبلات الحسية العصبية على مستوى المنطقة الشمية: ومن الأسباب هناك عامل السن(نقص الشم الشيخي) والالتهابات بالحميات الراشحة خاصة النزلة الوافدة والزكام. وأما بالنسبة للأسباب السمية فأهمها الانسمامات المعدنية: ألمنيوم، كروم، زئبق، والانسمامات الغازية : مشتقات الدهان، والقطران، والبترول، والتدخين والإدمان على الكوكايين عن طريق الأنف. وهناك أيضاً التهاب القطرات الأنفية المقبضة الوعائية وأيضاً التهاب الأنف الأليرجيائي أو الوعائي الحركي حيث أن المعالجة بالكورتيكوئيدات تحسن إلى حد كبير فقد الشم الأليرجيائي. وعن الالتهابات المزمنة للمخاطية الأنفية هناك خاصة التهاب الأنف الضموري والإصابات الضمورية، كما الإصابة بالتدرن وعقابيل الجراحة الأنفية وبعض الأمراض الاستقلابية كالسكري والعوز الفيتاميني.
آفات الطريق العصبي الشمي : وهي الآفات التي تتموضع على مستوى العصب الشمي، البصلة الشمية, السبيل الشمي. وهذه الإصابات تظهر على شكل نقص أو فقد شم. ومن أهم الأسباب هناك الأسباب العظمية كما في رضوض القحف وفي الآفات العظمية غير المرضية كما في داء باجيت(Paget) وفرط تعظم الصفيحة الداخلية للعظم الجبهي.
وأيضاً هناك الأسباب الانضغاطية خاصة الانضغاطات الورمية وأكثر الأورام المتهمة هو الورم السحائي. وأخيراً الأسباب التنكسية الاستحالية كما في التصلب اللويحي، والتهابات الأعصاب العديدة السمية أو الاستقلابية.
الاتصالات المركزية :
اضطرابات الشم من منشأ مختلط: وفيه يتشارك السببان السابقان.

التشخيص والعلاج والوقاية

تشخيص فقدان حاسة الشّم قَدْ يكون صعباً في البداية لقلة من لديهم القدرة على مُلاحظةَ ضعف إحساسِ الشم خصوصاً إذا كانت الحالة في جانب واحد من الأنف. ويُمْكِنُ للطبيب أَنْ يُشخّصَ فقدان حاسة الشّمَ بإجراء اختبار القدرة على الإحساسِ لإحدى الروائح القويةِ بتعريض كُلّ منخر على حدة.
كما يقوم الطبيب بالبحث أيضاً عن إشاراتِ وعلامات التهابات الأنف وعن وجود زوائد لحمية. وتَتضمّنُ التقنيات العصرية استعمالَ الدِراساتِ المعتمدة على تصوير الدماغِ لاكتِشاف التهاب الجيوبِ الأنفية أَو أي إصاباتِ في الدماغِ.
وتعتمد مُعَالَجَة فقدان حاسة الشّمِ على معالجة الأسباب من جذورها. وحيث أن التهاب أغشية الأنف السبب الأكثر شيوعاً لفقدان حاسة الشّمِ فيمْكِنُ أَنْ تُعالجَ بأَخْذ مخفّفاتِ الاحتقان، التي يُمكنُ أَنْ تَكُونَ صناعيةَ أَو عشبيةَ إضافة إلى استعمال أحد أنواع الكورتيزون لتَخفيض الالتهابِ.
وللوقاية من اضطرابات حاسة الشم يجب الابتعاد عن مصادر ملوثات البيئة التي تشكّل خطراً على الصحةِ، ومحاولة الإقلاع عن التدخين، فقد ثبت من الدراسات العلمية أن عدم التدخين يُساعد على تَخفيض خطرِ فقدان حاسة الشّمِ أيضاً. وأخيراً يجب استعمال المنديل أَو القناع على فتحتي الأنف لمَنْع استنشاقِ الموادِ الغريبة التي تعتبر من الأسباب الشائعة والسريعة للإصابة باضطرابات حاسة الشم.