اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

أمل السلام والرخاء يحتاج إلى جهود الجميع وتضحياتهم

الثلثاء, 09 مارس 2010

د. عبدالحميد الموافي
إذا كان الإنسان يسعد بالضرورة بكل تقارب واتفاق، أو حتى وفاق بين أي طرفين أو أكثر من الاشقاء، دولا كانت أو حتى مؤسسات أو جماعات، فإن السعادة تكون أكبر بالضرورة عندما يتعلق الأمر بالسودان الشقيق، ليس انحيازا أو تمييزا، ولكن إدراكا لحقيقة وأبعاد الأهمية السياسية والاقتصادية التي يتمتع بها السودان، وهي أهمية وإن كانت تتجسد فيه، إلا أنها تمتد منه بالضرورة إلى المحيطين العربي والإفريقي، بل وتلامس المحيط والمصالح الدولية الأوسع التي تعبر عن نفسها بوسائل عديدة في جنبات السودان، وفي معاناته وتطوراته المختلفة، إيجابية كانت أو غير ذلك.
من جانب آخر فإنه إذا كنا كعرب نحتاج بشدة إلى حشد الطاقات وتجميع الجهود وتوفير الإمكانيات لكي توجه إلى حيث ينبغي ان توجه إليه، وبشكل صحيح وفعال أيضا، فإن الأمر بالنسبة للسودان يعد أكثر إلحاحا الآن، ربما أكثر من أي وقت مضى، وذلك لاعتبارين أساسيين:
- أولهما أن الحديث عن فصل الجنوب السوداني، سواء في إطار ما عرف بتقسيم السلطة والثروة، وهو المصطلح الذي انطلق من السودان، أو خارجه، وكذلك الأفكار التقسيمية للسودان، أرضا وشعبا، والتي تتوسل أو تحاول التمسح في مبدأ حق تقرير المصير – الذي يعد حقا يراد به باطل في السودان – قد تحول للأسف خلال الفترة الأخيرة من الهمس على استحياء، ومن الحديث بوجل وتحسب، إلى مجاهرة وإعلان ودعوة يتبناها بعض السياسيين السودانيين الذين لا يمكن إلا أن يكونوا قد وضعوا مصالحهم الشخصية والفئوية والمناطقية قبل مصلحة السودان، وعلى حساب حاضره ومستقبله أيضا. وبعد أن كان الجميع لا يقترب من حديث التقسيم المدمر، تحول حديث التقسيم إلى ورقة للمساومة، والى أداة لكسب جماعات المنتفعين حتى ولو على حساب جموع السودانيين البسطاء والطيبين. وذلك أمر شديد الخطر.
- اما الاعتبار الثاني فانه يتمثل في حقيقة أن التطورات التي مر بها السودان الشقيق، والحرب الأهلية والمواجهات العديدة التي غطت كل ارجائه تقريبا، في أوقات متفاوتة، قد فتحت المجال واسعا، وأكثر من أي وقت مضى أيضا، لكي تتدخل العديد من الأطراف الإقليمية والدولية، بل وتعمل بشكل مخطط ومنظم من أجل خدمة مصالحها هي بالطبع، وبكل الأشكال الممكنة، بغض النظر عن انعكاسات ذلك على الأوضاع والمصالح السودانية، بالنسبة للدولة، وبالنسبة للمجتمع السوداني كذلك. ومن هنا تحديدا كثر الطباخون، وكثيرا ما تتعارض وصفاتهم، أو بالأحرى مصالحهم، ويدفع السودان الشقيق الثمن في النهاية.
وفي ضوء ذلك فإنه من الطبيعي، بل والضروري الترحيب بأي تحرك إيجابي، أو بأي خطوة عملية، وملموسة يمكن أن تدفع بالسودان على طريق تجاوز المخاطر المحدقة به، وهي مخاطر لا تنبع فقط أو تقتصر على الداخل السوداني، ولكنها تأتي كذلك من خارجه، أي من فضائه الإقليمي والدولي.
في هذا الإطار فانه ينبغي النظر إلى اتفاق الدوحة الإطاري، الذي تم التوقيع عليه يوم الثالث والعشرين من شهر فبراير الماضي في العاصمة القطرية بين الحكومة السودانية وبين حركة العدل والمساواة - مجموعة نجامينا ذات الارتباط القوي بتشاد - لوقف إطلاق النار ولحل الأزمة في دارفور في إطار خطوات تعيد الأمن والسلام والاستقرار إلى إقليم دارفور من ناحية وتسمح للسودان الشقيق بالسير على طريق التنمية الوطنية بخطى أسرع وأوسع من ناحية ثانية. ويمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب لعل من أهمها ما يلي:
** أولا : إنه من غير المبالغة في شيء القول إن مظاهر التأييد الإقليمي والدولي لاتفاق الدوحة الإطاري الذي تم التوقيع علية، والذي أدى بالفعل إلى وقف اطلاق النار بين القوات الحكومية السودانية، والعناصر المرتبطة بها، وبين حركة العدل والمساواة، من شأنها أن تثير التفاؤل بشكل أو بآخر، ولا سيما أن التأييد الأمريكي كان سريعا وواضحا، واعقبه تأييد الأطراف الدولية المعنية بالوضع في السودان، بما فيها الصين وروسيا، وكذلك الأمم المتحدة، يضاف إلى ذلك أن التأييد الإقليمي للاتفاق كان واضحا كذلك، على الأقل بدرجة غير قليلة، حيث شارك في حفل التوقيع على الاتفاق الإطاري كل من الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، باعتبارها الدولة المضيفة التي سعت إلى التوصل للاتفاق وتذليل العقبات التي ظهرت بوسائل مختلفة، والرئيس إدريس ديبي رئيس تشاد – التي ترتبط بعلاقات واحبال سرية مع حركة العدل والمساواة بحكم الانتماء إلى نفس القبيلة (الزغاوة) التي ينتمي إليها الرئيس التشادي وقائد حركة العدل والمساواة - والرئيس الاريتري اسياسي افورقي الذي تمارس بلاده دورا تدخليا وداعما لبعض الحركات المسلحة في أكثر من دولة في القرن الافريقي، وصولا إلى السودان، بالإضافة بالطبع إلى الرئيس السوداني عمر حسن البشير وخليل ابراهيم قائد حركة العدل والمساواة. وبالطبع كان هناك ترحيب من جانب كل من الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية.
وبالرغم من عدم مشاركة كل من مصر وليبيا في حفل التوقيع على الاتفاق الإطاري في الدوحة، لأسباب معروفة، إلا أنه من غير الممكن الافتراض أو القول بأن أي منهما كان بعيدا عنه، وذلك لسبب بسيط هو أن كلا من مصر وليبيا معنية كثيرا بكل ما يجري في السودان، بما في ذلك ما يجري في دارفور، وإن خطوة مثل التوصل إلى اتفاق سلام ما كان يمكن أن تحدث، أو بالأحرى تنجح إذا كانت هناك تحفظات أو معارضة لها من جانب أي من الدولتين.
وإذا كان التأييد الإقليمي والدولي الظاهر للاتفاق من شأنه أن يسهم بالضرورة في تسهيل الالتزام به، إلا أنه لا يشكل وحده ضمانة لنجاح الاتفاق وذلك بالنظر إلى أن المشكلة في دارفور ليست مشكلة تدخل خارجي فقط، ولكنها مشكلة تنموية وسياسية لها أكثر من بعد، وأكثر من مستوى. ولعل ذلك يفسر عدم نجاح اتفاقات أخرى تم التوصل إليها من قبل. على أية حال فإن هذه النقطة لا تعدو أن تكون إشارة إلى أن نجاح الاتفاق الإطاري، والذي يتحقق من خلال التوصل إلى الاتفاق النهائي بحلول منتصف مارس الجاري، كما تم الاتفاق عليه في الدوحة، وبدأت المفاوضات بشأنه بالفعل عقب التوقيع بيومين.
وإذا كان الالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق الإطاري من جانب كلا الطرفين يعد أمرا حاسما لإنجاح الاتفاق، إلا أن ذلك لن يكون كافيا إلا إذا تم احتواء، أو بالأحرى استيعاب الحركات الأخرى المعارضة في دارفور والتي تنضوي تحت ما يسمى بمجموعة طرابلس ومجموعة أديس أبابا واللتين تضمان 14 فصيلا. وتجدر الإشارة إلى أن المجموعتين اللتين لم تتحمسا للاتفاق الإطاري سارعتا إلى ضم قواتهما وتشكيل حركة موحدة تريد التفاوض مع حكومة الخرطوم من أجل أن تضمن لنفسها جزءا من الغنيمة في دارفور. ولم تكن الاشتباكات التي وقعت في الفترة الماضية سوى جزء من ممارسة الضغوط على الحكومة السودانية وعلى الأطراف الداعمة لاتفاق الدوحة لبدء المفاوضات مع تلك الحركة المعارضة وهو ما بدأ بالفعل ولعله يصل إلى اتفاق. صحيح أن حركة العدل والمساواة تعارض حتى الآن معاملة مجموعتي طرابلس وأديس أبابا بشكل مستقل عنها، ولكن الصحيح هو أن الرئيس السوداني يرغب في التوصل إلى اتفاق وإحلال السلام بشكل كامل في دارفور. ويمكن القول إن الكثير سيتوقف على ما ستشهده الأيام القادمة، خاصة في دارفور.
** ثانيا: إنه مع التقدير لكل الجهود التي بذلت وتبذل لتحقيق الاستقرار في دارفور، سواء كانت جهودا عربية أو إفريقية أو دولية، إلا أنه ينبغي الاعتراف بوضوح بأن حل المشكلة في دارفور، وهي مشكلة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، يصعب تحقيقه بشكل فعال بدون اللجوء إلى المدخل التنموي في التعامل مع الواقع الراهن في إقليم دارفور. سواء بالنسبة لمشكلات النازحين ومعسكرات اللاجئين، أو بالنسبة لعمليات التنمية بمعناها التقليدي والمباشر، نظرا لحاجة دارفور إلى ذلك بشكل عاجل.
وفي ضوء ذلك فإن المبادرة التي قامت بها جامعة الدول العربية من خلال المؤتمر العربي لدعم وتعزيز الأوضاع في دارفور الذي عقد في الخرطوم في أكتوبر من عام 2007 والذي تمخض عن تنفيذ عدد من المشروعات التنموية في إقليم دارفور ساهمت عدة دول عربية من بينها السلطنة في تمويلها، وبلغت تكلفتها نحو 80 مليون دولار، كانت خطوة عملية ومفيدة وتسهم في الحد من معاناة أبناء دارفور وهو ما رحبت به الخرطوم بشكل ملحوظ وكذلك أبناء دارفور الذين شعروا بأن التعاطف والمساندة العربية ليست مجرد مسألة نظرية أو إعلامية فقط. وبينما تم افتتاح عدة مشروعات للتنمية في دارفور فإن إعلان الدوحة عن اقتراح إنشاء بنك للتنمية في دارفور وفي السودان عموما برأسمال مليار دولار يعد اقتراحا طيبا، خاصة إذا تمت ترجمته إلى إجراءات وخطوات عملية على الأرض؛ لأن هذا هو ما يحتاجه أبناء دارفور. غير أن التنفيذ يتطلب تضافر جهود أطراف عديدة من الدول المانحة لدارفور وللسودان ككل. من جانب آخر فإن المؤتمر الذي نظمته جامعة الدول العربية في أبوجا لدعم الاستثمار في جنوب السودان يشكل أيضا خطوة عملية أخرى لمساندة التنمية في جنوب السودان ومحاولة الحد من جموح بعض قوي الجنوب السوداني للانفصال في استفتاء يناير عام 2011.
وإذا كان معروفا أن التنمية لا يمكن صناعتها أو استيرادها من الخارج؛ لأنها ببساطة عملية تطوير تؤثر وتتأثر بالواقع الاجتماعي والثقافي في بيئة محددة في وقت معين، فان الكرة تعود مرة أخرى إلى القوى السودانية وما يتوفر لها من إرادة ليس فقط للنهوض وبناء واقع جديد، ولكن أيضا لتحقيق الاستقرار واستعادة الأمن والتوصل إلى توافق يحقق الأمان والمشاركة السياسية لمختلف القوى السودانية لكي تساهم في بناء حاضر بلدها ومستقبلة. نعم هناك مصالح متصارعة على أرض السودان ومن حوله كذلك ولكن الأطراف غير السودانية لن تنجح في تحقيق أهدافها إذا لم تجد قوى سودانية تنفذ لها أهدافها لسبب أو لآخر. فهل تلتقي كل القوى السودانية على تحقيق مصلحة السودان أولا؟.