اطبع أرسل إضافة تعليق
تخفيض حجم الخط زيادة حجم الخط

الترحيب الدولي لا يكفي

الثلثاء, 09 مارس 2010

د. أيمن شبانة
بخطوات متثاقلة وآمال عريضة تمضي المسيرة السلمية في دار فور. ففي الثالث والعشرين من فبراير الماضي، شهدت العاصمة القطرية الدوحة توقيع اتفاق السلام الإطاري بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، أكبر فصائل المعارضة المسلحة في إقليم دار فور، وهو ما يعد استكمالاً لمسيرة المفاوضات، التي مرت بعواصم إفريقية وعربية عديدة، أبرزها أبوجا، وطرابلس، وأديس أبابا، والدوحة، وأخيراً العاصمة التشادية نجامينا.
تضمن الاتفاق 12 بنداً أهمها: وقف إطلاق النار، وإصدار عفو عام بحق أعضاء حركة العدل والمساواة، المدنيين والعسكريين، وإطلاق سراح سجناء الحرب والمحكومين من كلا الجانبين بعد التوقيع النهائي، وتحول حركة العدل والمساواة إلى حزب سياسي فور التوقيع على اتفاق سلام شامل، وإدماج قوات الحركة في القوات المسلحة وقوات الأمن و الشرطة. كما تضمن الاتفاق إشارات إطارية حول تقسيم الثروة وضرورة التوافق عليها، بجانب إشارات تتعلق بقسمة السلطة، فضلاً عن معالجة قضايا إعادة الإعمار والترتيبات الأمنية. على أن يتم إعداد الاتفاق النهائي والبروتوكولات الإضافية المنفذة له والتفاوض عليها وتوقيعها في الدوحة قبل 15 مارس 2010.
في هذا الإطار، تلوح في الأفق تساؤلات عديدة حول دور الوسطاء الإقليميين والدوليين في توقيع الاتفاق، وحقيقة مواقف القوى الدولية والإقليمية منه، ومدى انعكاسه على موقف المحكمة الجنائية الدولية من قضية توقيف الرئيس السوداني، وأثر ذلك على إمكانية صمود الاتفاق كأساس لاتفاق السلام الشامل المزمع توقيعه بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة.
بداية، جاء توقيع اتفاق الدوحة وسط حضور محلي وإقليمي ودولي واسع النطاق، حيث شارك في مراسم التوقيع كل من: الرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس التشادي إدريس ديبي، والرئيس الاريتري أسياس أفورقي، وأمير دولة قطر الشيخ خليفة بن حمد، والدكتور خليل إبراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة، الذي حضر مرتدياً زياً مدنياً، وصافح الرئيس البشير، في إشارة لا تخلو من دلالات واضحة. كما شارك في مراسم التوقيع أيضاً ممثلو المنظمات الدولية والإقليمية المعنية، وفي مقدمتهم: جبريل باسولي، الوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وإبراهيم قمباري الممثل المشترك لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دار فور« يوناميد»، وممثلو الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي.
ويدل هذا الحضور رفيع المستوى وواسع النطاق على مدى أهمية الصراع في دار فور، وتأثيره على الاستقرار السياسي والأمني للسودان، خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تسبق إجراء الانتخابات العامة في السودان.
بالنسبة لدور الوساطة الدولية والإقليمية، تبدو بعض الملاحظات بشأن الدورين التشادي والقطري في هذا الصدد. إذ استثمرت تشاد علاقاتها الوطيدة بحركة العدل والمساواة في إقناع الحركة بأهمية توقيع الاتفاق، حيث تعتبر تشاد أهم مصادر الدعم الإقليمي للحركة، كما أن النخبة التشادية، وعلى رأسها الرئيس ديبي، تشترك في الانتماء إلى قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها معظم قادة حركة العدل والمساواة، وفي مقدمتهم د. خليل إبراهيم. وهو ما ساهم في قبول الحركة التوقيع على اتفاق نجامينا للسلام مع الحكومة السودانية في20 فبراير، وهو الاتفاق الذي بني على أساسه اتفاق الدوحة الإطاري.
ويعتبر هذا الدور التشادي إحدى ثمار التقارب بين النظام السوداني والنظام التشادي، حيث سعى الجانبان إلى إزالة ركام التوتر الذي خيم على العلاقات بينهما، إثر اتهامات متبادلة بدعم المعارضة السياسية في البلدين الجارين، وهو التوتر الذي بلغ أوجه مع قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما، والاشتباكات بين قواتهما المسلحة في المناطق الحدودية.
بيد أن توقيع بروتوكول تطبيع العلاقات والتعاون الأمني بين الدولتين، وزيارة الرئيس ديبي للخرطوم، للمرة الأولى منذ عام 2004، ساهم في قبول تشاد للتوسط بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، خاصة في رغبة النظام التشادي في كسب دعم الحكومة السودانية في مواجهة حركات المعارضة التشادية، التي تتخذ من إقليم دارفور ملاذاً آمناً. بالإضافة إلى الضغوط الغربية، خاصة الأمريكية والفرنسية، على الحكومة التشادية، من أجل ضرورة العمل على تسوية الأوضاع في دارفور، حتى يمكن إجراء الانتخابات في موعدها في 11 أبريل 2010، ومن ثم إجراء الاستفتاء على حق تقرير المصير في يناير2011، وفق مقررات اتفاق نيفاشا للسلام.
وعلى ذلك فمن المرجح أن يسهم هذا الاتفاق في مزيد من التحسن في العلاقات السودانية التشادية، خاصة في ظل سعي السودان إلى الاستفادة في بالوساطة التشادية في توقيع اتفاقات تسوية سلمية مماثلة مع حركات المعارضة المسلحة الأخرى في دارفور.
أما الوساطة القطرية، فهي تأتي في إطار الرغبة القطرية في القيام بدور صانع السلام الإقليمي، حيث سبق لقطر استضافة المفاوضات الخاصة بأزمة انتخاب الرئيس اللبناني عام 2008، والنزاع بين فتح وحماس. ومن ثم تم إسناد رئاسة لجنة الوساطة العربية الإفريقية بشأن دارفور إلى قطر، الذي سعت منذ فبراير2009 إلى دفع مفاوضات السلام بين الحكومة السودانية وحركات المعارضة في الإقليم، حتى تكلل جهدها بالنجاح في توقيع الاتفاق الإطاري، وهو ما حظي بتقدير دولي واسع النطاق، مما دفع قطر إلى التعهد بمواصلة دورها من أجل إحلال السلم في دارفور، ودعم عملية إعادة الإعمار في الإقليم بمليار دولار.
أما عن المواقف الدولية من الاتفاق، فقد حظي الاتفاق بترحيب إفريقي وعربي ودولي واسع النطاق، حيث كان هناك نوع من الإجماع بين كافة الأطراف على تأييد الاتفاق، والاستعداد القوي لتنفيذ بنوده، باعتباره يمثل خطوة إيجابية تجاه الحل الشامل للصراع في دارفور، وأنه يمهد الطريق لانضمام المزيد من حركات المعارضة المسلحة للمفاوضات، الأمر الذي يصب في النهاية في تحقيق السلم والتنمية في كافة أنحاء السودان. وهنا أكد مندوب السودان في الأمم المتحدة أن الاتفاق أشاع مناخاً تفاؤلياً في أوساط المجتمع الدولي بشأن قرب اكتمال العملية السلمية في دارفور، مشيراً إلى أنه أحاط أصدقاء السودان وأعضاء مجلس الأمن الدولي، ومجموعة عدم الانحياز ببنود وملابسات الاتفاق.
لكن التعمق في حقيقة المواقف الدولية من الاتفاق يكشف عن هوة عميقة بين المواقف المعلنة والممارسات الفعلية. ففي العلن أعربت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا واليابان والصين عن دعم الاتفاق، وأهمية تقديم الدعم السياسي والمادي للمؤتمر الدولي الخاص بإعادة إعمار وتنمية دارفور، المزمع عقده في القاهرة يوم 21 مارس الحالي. بيد أن التأمل في الممارسات الفعلية يوضح أن هناك أجندات خفية تسعى القوى الدولية إلى تحقيقها في دارفور بصفة خاصة، وفي السودان بوجه عام.
ينطبق ذلك بوضوح على الولايات المتحدة وفرنسا، حيث يأتي ترحيبهما باتفاق الدوحة كنوع من التكتيك، الذي يرمي إلى تحقيق قدر من الاستقرار المرحلي في دار فور، وذلك لكي يتم إجراء الانتخابات في موعدها في أبريل المقبل، ولو على المستوى الرئاسي فحسب، ومن ثم المضي قدماً في اتجاه إجراء الاستفتاء على حق تقرير المصير في الجنوب السوداني في يناير2011.
ودليل ذلك أن الولايات المتحدة وفرنسا لم يحرصا على إغلاق ملف الصراع في دار فور بشكل كامل ونهائي من خلال الإلقاء بثقلهما وراء مفاوضات الدوحة، وعدم ممارستهما أي ضغوط على فصيل عبد الواحد محمد نور، المقيم بباريس، من أجل انضمام حركة تحرير السودان، التي يقودها نور، إلى تلك المفاوضات، بالرغم من أنهما يملكان من أدوات الضغط ما يدفعه إلى القبول بالتفاوض. ومن ثم فقد اكتفى الرئيس الفرنسي ساركوزي بدعوة عبد الواحد محمد نور إلى عدم التعنت والمشاركة في المفاوضات، فيما حرصت واشنطن على اتخاذ موقف يتسق مع رؤى تحالف إنقاذ دار فور، الذي يتخذ من واشنطن مقراً له،والذي يحمل الحكومة السودانية مسؤولية تردي الأوضاع في دارفور.
أما موقف الأمم المتحدة، فقد خيم التناقض عليه، ففي الوقت الذي أكدت فيه المنظمة تأييدها للاتفاق، ودعمها لتنفيذه من خلال عملية «يوناميد»، فقد فاجأت اليونيسيف السودان بالإعلان عن تعليق أنشطتها الإنسانية في دارفور، الأمر الذي ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية في الإقليم، بالرغم من أن الأمم المتحدة كانت قد انتقدت بشدة قرار السودان بطرد 13 منظمة إنسانية من دارفور، عقب صدور مذكرة توقيف الرئيس البشير من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية. ويبدو أن الأمم المتحدة لا تزال قابعة تحت الضغوط الأمريكية الغربية، التي تستخدم مجلس الأمن الدولي في حصار النظام السوداني.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فلم يبدر عنها أي ردود أفعال إزاء الاتفاق، وكأن الأمر لا يعنيها مطلقاً، أو أن تقدم المسيرة السلمية لا يطيب لها بالأساس، باعتبار أن ذلك من شأنه إغلاق الباب أمام عمل المحكمة، التي لم تدخر جهداً من أجل الضغط على النظام السوداني، ولم تقنع بتوقيف الرئيس البشير بتهم تتعلق جرائم الحرب، وإنما عمدت إلى صب الزيت على النار، من خلال تعديل لائحة الاتهامات الموجهة إلى البشير، لتشمل جريمة الإبادة الجماعية.
ويبدو أن المحكمة الجنائية الدولية قد فطنت إلى أن الاستمرار في الضغط على النظام السوداني، من شأنه تدعيم شعبية البشير، وإبرازه كبطل قومي أو كرمز لمواجهة الهيمنة الدولية، فلم تشأ أن تعلق على الاتفاق بالإيجاب أو بالسلب. لكن المؤكد أن توقيع اتفاق الدوحة بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة، وتوقيع اتفاقات مماثلة مع حركات المعارضة الأخرى في الإقليم، سوف يقطع الطريق على عمل المحكمة الجنائية الدولية، ويفتح في الوقت ذاته الباب أمام القضاء الوطني لكي يفصل في انتهاكات حقوق الإنسان في دار فور، وهو ما ترمي له الحكومة السودانية ولجنة الوساطة العربية-الإفريقية. وفي هذا الإطار أكد البشير عقب توقيع الاتفاق أن المحكمة الجنائية الدولية لا تخيفه، وأنه لن يركع لضغوطها، وأنه سوف يستمر في تحركاته الخارجية حتى ولو استشهد من أجل كرامة السودان.
والخلاصة، أن الترحيب الدولي باتفاق الدوحة لا يمثل ضمانة كافية لإحلال السلم والتنمية في دارفور، خاصة أن الصراع في الإقليم ينطوي على قدر كبير من التعقيد، مما يجعل الحلول العسكرية والضغوط الخارجية وحدها غير ناجعة في التعامل معه. ومن ثم فإن الطريق صوب السلام في دارفور لا يزال يحتاج إلى جهد كبير، وإلى التنازل مع جانب كافة أطراف الصراع من أجل تحقيق وحدة جامعة بينهم من أجل صالح الشعب السوداني والدولة السودانية، وذلك من خلال الحوار البناء بين القوى السياسية السودانية، بما يفضي إلى حلول سياسية شاملة، لا تستثني أحدا من الجهات والأطراف ذات المصلحة في سلام دار فور. فهل يستجيب السودانيون لنداء السلام، أم يستمرون على درب الصراع، هذا ما سوف تجيب عنه التطورات السياسية في الأيام القليلة المقبلة.