بشير عبدالفتاح
إذا كان من غير الحكمة تجاهل تأثير المحيط الإقليمي والسياق الدولي اللذين يحيطان بأي دولة على مجريات الأحداث فيها، فإنه من غير الإنصاف أيضا عدم الاكتراث بما يمكن أن تضطلع به المساعي الإقليمية والجهود الدولية من دور مؤثر في تهيئة الأجواء لتسوية المشكلات والأزمات التي تلقي بظلالها على تلك الدولة.
وتجسد الحالة السودانية هذه الأيام نموذجا جليا في هذا الخصوص، حيث يعكس ما يجري داخل السودان من صراعات ونزعات انفصالية، في إحدى مستوياته وبدرجة، تطلعات القوى الإقليمية ومصالح الدول الكبرى في ذلك البلد الإفريقي ذي المزايا الجيوــ استراتيجية الفريدة والثروات والموارد الطبيعية العديدة. غير أننا يجب أن نفطن أن للصورة أكثر من قراءة وتعبير؛ إذ لا يقتصر الأمر فحسب على سعي تلك القوى الإقليمية والدولية لتعظيم استفادتها من السودان وتعزيز وحماية مصالحها هناك، وإنما هناك دعم يمكن أن تقدمه تلك القوى للمساعدة في الحيلولة دون تفجر الوضع الداخلي في ذلك البلد إلى الحد الذي يحول دون حصول أي طرف على مراده ويجعل الجميع خاسرين في نهاية المطاف بعد أن يصاب الأمن الإقليمي والدولي في مقتل. وبقدر ما يبدو عليه الوضع السوداني من تعقيد وتشابك شديدين، أبت المساعي الإقليمية والدولية إلا أن تنتزع شيئا من الإنجاز والنجاح على صعيد وضع نهاية مرضية للأزمة المربكة التي تلقي بظلالها على ذلك البلد العربي والإفريقي. وفي هذا الإطار، تبارت المساعي والجهود خلال السنوات القليلة المنقضية على الصعيدين الإفريقي والعربي من أجل نزع فتيل الأزمة السودانية وتجنيب ذلك البلد الإفريقي ويلات الفرقة والحرب الأهلية والصراعات السياسية والإثنية التي لا تنتهي إلا بعد أن تجهز على مكتسبات الدول وتنال من أمنها واستقرارها.
فعلى الصعيد الإفريقي، جاءت تحركات عديدة من قبل الاتحاد الإفريقي توخيا لتقليص حدة التأزم على الساحة السودانية انطلاقا من أن أمن السودان هو جزء من أمن القارة السمراء ككل واستقراره استقرار لها برمتها، وحتى لا تتحول السودان إلى برميل بارود أو قنبلة موقوتة تنذر بين الفينة والأخرى باشتعال القارة الإفريقية قاطبة. وقد أسفرت الجهود الإفريقية المدعومة دوليا عن خطوات مهمة على درب تقليص حدة التوتر الداخلي في السودان، ففي 25 سبتمبر من عام 2003 وقع وفد الحكومة السودانية برئاسة علي عثمان محمد طه النائب الأول للرئيس عمر حسن البشير ووفد الحركة الشعبية لتحرير السودان برئاسة جون قرنق بمنتجع نيفاشا الكيني اتفاقا بشأن الترتيبات العسكرية خلال المرحلة الانتقالية، وهو الاتفاق الذي ألزم شريكي الحكم بأن يتفقا على التوصل إلى تفاصيل وقف إطلاق النار بمساعدة وسطاء الإيجاد والخبراء الدوليين، وأن يسري وقف إطلاق النار تحت رقابة دولية من تاريخ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، كما قضى الاتفاق أيضا بأن يبذل الطرفان كل ما في وسعهما لتعزيز خيار الوحدة، وهو التزام لا يزال الطرفان يكرران التمسك به.
وحينما تم توجيه الاتهام من المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني المشير عمر حسن أحمد البشير في مارس من عام 2009 بارتكاب جرائم حرب في دارفور، لم يكتف الاتحاد الإفريقي بتسجيل موقفه الرافض لقرار المحكمة الجنائية الدولية، بل قام باتخاذ مواقف عملية بدأت بتقديم طلب مشترك مع المجموعة العربية لتأجيل ملاحقة البشير وانتهت بتعيين لجنة من الحكماء برئاسة رئيس جنوب إفريقيا السابق ثابو مبيكي. وقد رفعت اللجنة تقريرها في أكتوبر من ذات العام وتقدمت بتوصيات تهدف إلى تسريع جهود السلام وإحقاق العدالة عبر آليات داخلية. وفي قمته التي عقدت نهاية أكتوبر 2009 في أبوجا، كلف مجلس السلم والأمن الإفريقي مبيكي أيضاً بملف اتفاقية السلام الشامل ومساعدة الأطراف السودانية في اجتياز المرحلة الحرجة القادمة المفضية إلى استفتاء تقرير المصير.
ولا تزال الجهود الإفريقية، المدعومة دوليا وعربيا، تمضي مستمرة وبالتوازي مع جهود أخرى تبذلها أطراف عربية ودولية من أجل وقف تنامي الأزمة السودانية.
فعربيا، فقد توالت الجهود والمساعي والمبادرات، سواء من جانب جامعة الدول العربية أو عبر دول عربية. وفيما يخص قضية دار فور تحديدا، والتي تفجرت في عامي 2003-2004، فقد أخذت دولة قطر على عاتقها قيادة الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تسويتها بالمشاركة مع الوسيط المشترك للأمم المتحدة جبريل باسولي. ورغم أن هناك إجماعا دوليا على دعم الوساطة القطرية، ظلت هناك عقبة مهمة تواجه الجهود القطرية في هذا المضمار تتمثل في تشرذم حركات التمرد في دارفور، حيث ارتفع عددها من ثلاثة فصائل عند إبرام اتفاق أبوجا حول دارفور في مايو من عام 2006 إلى ما يقرب من بضعة وثلاثين فصيلاً انقسمت على أسس قبلية أو عشائرية أو في أحيان قليلة، سياسية، ذلك أن هناك أكثر من دولة تساهم في دعم انشقاق الفصائل لدعم دورها الإقليمي، كما أن الحكومة أيضاً لا تتورع عن دعم الانشقاقات لإضعاف حركات التمرد.
ووسط هذه التحديات تمكنت الجهود والمساعي القطرية من أن تحقق تقدما ملفتا خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبرغم اتفاق الآراء أو اختلافها حول مقدار ما يمكن أن يسفر عنه من تقدم على صعيد تهدئة الوضع المتفجر في السودان، شكل توقيع اتفاق سلام مبدئي أو اتفاق إطار بالعاصمة القطرية الدوحة الشهر الماضي يدعو لوقف مؤقت لإطلاق النار والإفراج عن السجناء ويتيح المجال للمتمردين الدارفوريين لتقلد مناصب حكومية، شكل نقلة نوعية مهمة على هذا الدرب العسير. ذلك أن من شأن اتفاق الإطار بين الخرطوم وأقوى حركات التمرد بدارفور أن يمهد السبيل لإجراء محادثات تنهي النزاع المسلح في الإقليم وتمنح حركة العدل والمساواة فرصة للمشاركة في حكم السودان المقبل على انتخابات تشريعية ورئاسية في أبريل المقبل. وفي دعم واضح منها للاتفاق ولجهود التسوية السلمية والدبلوماسية للأزمة السودانية، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي رعت بلاده مفاوضات الحركات الدارفورية مع الخرطوم، قد أعلن في وقت سابق أن الاتفاق سيكون «خطوة ثابتة نحو الحل السلمي» وتعهد بالتبرع بمليار دولار للمساهمة في صندوق لإعادة إعمار السودان.
وعلى وقع هذه المساعي الإقليمية الحثيثة التي تكللت بخطوة مهمة باتجاه تهدئة الوضع المتأهب للانفجار في السودان، لم يتورع رئيس وفد الحكومة السودانية في فعاليات توقيع الاتفاق أمين حسن عمر عن القول إن اتفاق الإطار يفتح الطريق نحو مناقشة ومعالجة القضايا العالقة لاستكمال عملية السلام في دارفور، وأعرب عن أمله بأن يتم التوصل قبل نهاية مارس الجاري إلى اتفاق شامل للسلام في دارفور. وبدوره، أعلن غازي صلاح الدين كبير مستشاري الرئيس السوداني أن ما أحدث الفارق هذه المرة هو «التحول النوعي في العلاقات السودانية التشادية التي أتاحت لإنجمينا القيام بدور بناء في إقناع حركة العدل والمساواة» ذات التوجه الإسلامي، التي تعد أكثر جماعات التمرد صلابة وطموحا وتوحدا من بين كل حركات التمرد غير المنظمة في دارفور، ولهذا السبب، أعتبر صلاح الدين أن إلقاءها السلاح، إذا ما حدث بالفعل على أرض الواقع، سيكون بمثابة اختراق حقيقي كبير في مسيرة الأزمة السودانية.
ومن جانبها، اعتبرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن توقيع هذا الاتفاق بين ممثلين عن الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة بحضور أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والرئيس السوداني عمر البشير ورئيس تشاد إدريس ديبي ورئيس إريتريا أسياس أفورقي، ووزير الشباب والرياضة السوداني أمين حسن عمر ووزير الدولة للشؤون الخارجية القطري أحمد بن عبدالله آل محمود ووسيط الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي جبريل باسولي، إنما جاء تتويجا لتحول طرأ على الأحوال السياسية الإقليمية ونتاجا لجهود ومساع مهمة قامت بها دول عربية وإفريقية. وفي ذات السياق، أكد مراقبون للأوضاع في السودان أن من شأن تلك التحولات والجهود أن تساعد في وضع حد للصراع الملتهب في دارفور.
وذهب مراقبون دوليون إلى الادعاء بأن ما يمكن أن يتمخض عنه هذا الاتفاق الأخير من نتائج إيجابية ربما يفوق بكثير ذلك النذر اليسير الذي حققته اتفاقيات سابقة في السودان أحدثت تغييرا ملموسا وتطورا إيجابيا ملحوظا فيما يخص تسوية القضية السودانية هناك سواء اتفاق سلام دارفور في مايو من عام 2006 أو اتفاقية سلام شرق السودان في وقت لاحق من العام نفسه أو وقف إطلاق النار الأحادي الجانب الذي أعلنته الحكومة السودانية في مدينة سرت الليبية في عام 2007. كذلك، يعتقد خبراء وكذا مسؤولون حكوميون سودانيون أن اتفاق الدوحة سوف يقوي الموقف التنافسي لحكومة حزب المؤتمر الوطني، التي تعرضت لهزات قوية خلال السنوات القليلة المنقضية، إذ أصابها الإرهاق جراء التمرّدات المتكررة في جنوب وشرق وغرب السودان، كما تتهددها احتمالات تقلص عوائد النفط، التي ظلت توفر دعما للاقتصاد وأسهمت في استمالة العديد من الأعداء، حالة ما إذا انفصل الجنوب.
يضاف إلى ما سبق أنه سيكون عصيا على الحكومة السودانية الفوز في الانتخابات القادمة من دون دارفور التي تتمتع بعدد كبير من الدوائر الانتخابية، وجمع غفير من الناخبين.
بيد أن إدراك المجتمع الدولي لواجبه حيال السودان وشعبه والتزام الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية بمؤازرة ذلك الجار الإفريقي والعربي المهم، وتسابق الدول العربية في تقديم المبادرات والمشاريع الرامية لنزع فتيل التوتر في السودان، تبدو في مجملها مساعي حميدة، لكنها تبقى جميعها مسارات موازية وثانوية في آن ضمن الجهود والتحركات الواجبة لإخراج السودان من عثرته، في حين تظل إرادة أبناء السودان، حكومة وشعبا وفصائل وميليشيات مسلحة وجماعات إثنية، ورغبتها في العمل المخلص والجاد والمشترك من أجل استقرار السودان وأمنه ومستقبله هي حجر الزاوية والمسار الرئيسي الذي يستحيل على أي جهود أو مسارات أخرى موازية، مهما بلغت جديتها وفعاليتها، أن تنجح أو تؤتي أكلها دون توافر تلك الإرادة الوطنية السودانية أو الانطلاق على ذلك المسار الرئيسي.